وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيّب والحسن أنّهما كان يعجبهما إذا سلّم الإمام أن يتقدّم . وقد روي ذلك عن ابن عمر وإسحاق ، وإليه ذهب مالك وأحمد ، إلاّ أنّ مالكًا كره للمأموم - أيضًا - التّطوّع بعد الجمعة من غير أن يتحوّل .
وقد روى عطاء الخراسانيّ عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « لا يصلّ الإمام في الموضع الّذي صلّى فيه حتّى يتحوّل » .
الجماعة في صلاة التّطوّع:
18 -الجماعة سنّة في صلاة العيدين عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهي ليست بتطوّع عند الحنفيّة والحنابلة . ( ر: صلاة العيدين ) .
واتّفق الفقهاء على أنّ الجماعة سنّة في الكسوف والخسوف ، وكذلك في صلاة الاستسقاء إلاّ عند أبي حنيفة فإنّه لا جماعة فيها عنده ، لأنّه لا صلاة فيها .
والجماعة في صلاة التّراويح سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ومستحبّة عند المالكيّة . والجماعة في صلاة الوتر سنّة في شهر رمضان عند الحنابلة ومستحبّة عند الشّافعيّة وفي قول عند الحنفيّة .
أمّا ما عدا ما ذكر ممّا تسنّ له الجماعة فالأصل فيه أن يصلّى على انفراد لكن لو صلّى جماعةً جاز لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين كليهما وكان أكثر تطوّعه منفردًا وصلّى بأنس وأمّه واليتيم .
الجهر والإسرار في صلاة التّطوّع:
19 -يستحبّ الجهر بالنّوافل ليلًا ما لم يشوّش على مصلّ آخر ، والإسرار نهارًا . وإنّما جهر في الجمعة والعيدين لحضور أهل البوادي والقرى كي يسمعوه فيتعلّموه ويتّعظوا به . وانظر تفصيل ذلك في: ( جهر ف / 18 ) .
الوقوف والقعود في صلاة التّطوّع:
20 -يجوز التّطوّع قاعدًا مع القدرة على القيام ، لأنّ التّطوّع خير دائم ، فلو ألزمناه القيام يتعذّر عليه إدامة هذا الخير .
ولأنّ كثيرًا من النّاس يشقّ عليه طول القيام ، فلو وجب في التّطوّع لترك أكثره ، فسامح الشّارع في ترك القيام فيه ترغيبًا في تكثيره كما سامح في فعله على الرّاحلة في السّفر . والأصل في جواز النّفل قاعدًا مع القدرة على القيام ما روت عائشة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي جالسًا ، فيقرأ وهو جالس ، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آيةً ، قام فقرأ وهو قائم ، ثمّ ركع ، ثمّ سجد ، ثمّ يفعل في الرّكعة الثّانية مثل ذلك » .
وقد روي من طريق آخر ما يفيد التّخيير في الرّكوع والسّجود بين القيام والقعود ، حيث فعل الرّسول صلى الله عليه وسلم الأمرين ، كما زادت عائشة: « أنّها لم تر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلّي صلاة اللّيل قاعدًا قطّ حتّى أسنّ ، فكان يقرأ قاعدًا حتّى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آيةً أو أربعين آيةً ثمّ ركع » .
وعنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا ،وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم ، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد» . ولو افتتح التّطوّع قائمًا ثمّ أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند الحنابلة ، وهو قول أبي حنيفة استحسانًا ، لأنّه متبرّع وهو مخيّر بين القيام والقعود في الابتداء فكذا بعد الشّروع ، لأنّه متبرّع أيضًا .
وعند أبي يوسف ومحمّد لا يجوز ، وهو القياس ، لأنّ الشّروع ملزم كالنّذر ، ولو نذر أن يصلّي ركعتين قائمًا لا يجوز له القعود من غير عذر ، فكذا إذا شرع قائمًا .
ولو افتتح التّطوّع قاعدًا فأدّى بعضها قاعدًا ، وبعضها قائمًا أجزأه لحديث عائشة المتقدّم ، فقد انتقل من القعود إلى القيام ، ومن القيام إلى القعود ، فدلّ على أنّ ذلك جائز في صلاة التّطوّع .
وقد نقل عن أبي حنيفة عدم جواز صلاة سنّة الفجر والتّراويح قاعدًا ، لأنّ كلًّا منهما سنّة مؤكّدة .
وإذا لم يرو خلاف في إباحة التّطوّع جالسًا ، فقد روي تفضيل القيام حيث قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من صلّى قائمًا فهو أفضل ، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم » . وفي رواية « صلاة الرّجل قاعدًا نصف الصّلاة » .
الصّلاة مضطجعًا:
21 -وأمّا صلاة التّطوّع مضطجعًا فظاهر قول أصحاب أبي حنيفة عدم الجواز لعموم الأدلّة على افتراض الرّكوع والسّجود والاعتدال عنهما .
وقول الجواز مرويّ عن الحسن البصريّ لقوله صلى الله عليه وسلم: « من صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد » وقد قال الحسن: إن شاء الرّجل صلّى صلاة التّطوّع قائمًا أو جالسًا أو مضطجعًا .
وقال ابن تيميّة: التّطوّع مضطجعًا لغير عذر لم يجوّزه إلاّ طائفة قليلة من أصحاب الشّافعيّ وأحمد ، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنّه صلّى مضطجعًا بلا عذر ،ولو كان هذا مشروعًا لفعلوه.
حكم سجود السّهو في صلاة التّطوّع:
22 -قال جمهور العلماء: إنّ السّهو في التّطوّع كالسّهو في الفريضة يشرع له سجود السّهو ، وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن أبي عقيل أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول: سجدتا السّهو في النّوافل كسجدتي السّهو في المكتوبة . وإلى ذلك ذهب الأئمّة الأربعة . انظر: ( سجود السّهو ) .
حكم قضاء السّنن:
23 -يستحبّ قضاء النّوافل بعد وقتها المحدّد لها على خلاف للفقهاء وتفصيل في ذلك . وقال الجوينيّ في قضاء النّوافل: إنّ ما لا يجوز التّقرّب به ابتداءً لا يقضى كالكسوف والاستسقاء فإنّه لا يجوز أن يتطوّع به الإنسان ابتداءً من غير وجود سببهما ، وما يجوز التّطوّع به ابتداءً كنافلة ركعتين مثلًا ، هل تقضى ؟ فيه قولان .
وانظر تفصيل ذلك في: ( قضاء ) .