والجماعة في صلاة الاستسقاء سنّة عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، ومحمّد ، وأبي يوسف خلافًا لأبي حنيفة ، فإنّه لا يرى فيها صلاةً أصلًا .
والجماعة في صلاة التّراويح سنّة عند الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ومستحبّة عند المالكيّة . والجماعة في صلاة الوتر سنّة في شهر رمضان عند الحنابلة ، ومستحبّة عند الشّافعيّة وفي قول عند الحنفيّة .
وتجوز الجماعة في غير ما ذكر من صلاة التّطوّع عند جمهور الفقهاء وقالوا: يجوز التّطوّع جماعةً وفرادى ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين كليهما ، وكان أكثر تطوّعه منفردًا ، « وصلّى بحذيفة مرّةً ، وبأنس وأمّه واليتيم مرّةً ، وأمّ أصحابه في بيت عتبان مرّةً كذلك » .
وعن ابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - « أنّه أمّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » .
والمالكيّة قيّدوا الجواز بما إذا كانت الجماعة قليلةً ، وكان المكان غير مشتهر ، فإن كثر العدد كرهت الجماعة ، وكذلك تكره لو كانت الجماعة قليلةً والمكان مشتهرًا .
ويرى الحنفيّة أنّ الجماعة في النّفل في غير رمضان مكروهة .
من يطالب بالجماعة:
9 -يطالب بصلاة الجماعة - سواء كان الطّلب على سبيل الوجوب ، أو على سبيل السّنّيّة-: الرّجال الأحرار العقلاء القادرون عليها دون حرج ، فلا تجب على النّساء والعبيد والصّبيان وذوي الأعذار . ومع ذلك تصحّ منهم صلاة الجماعة ، وتنعقد بهم ، على ما هو مبيّن بعد ذلك ، وقد استحبّ الشّافعيّة ، والحنابلة جماعة النّساء ، وقرّر الحنابلة أنّه يكره للحسناء حضور الجماعة مع الرّجال ، خشية الافتتان بها ، ويباح لغيرها حضور الجماعة .
العدد الّذي تنعقد به الجماعة:
10 -اتّفق الفقهاء على أنّ أقلّ عدد تنعقد به الجماعة اثنان ، وهو أن يكون مع الإمام واحد ، فيحصل لهما فضل الجماعة ، لما روى أبو موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « اثنان فما فوقهما جماعة » ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: « إذا حضرت الصّلاة فليؤذّن أحدكما وليؤمّكما أكبركما » وسواء أكان ذلك في المسجد أم في غيره كالبيت والصّحراء .
وسواء أكان الّذي يصلّي مع الإمام رجلًا أم امرأةً . فمن صلّى إمامًا لزوجته حصل لهما فضل الجماعة .
واختلف الفقهاء في انعقاد الجماعة في صلاة الفريضة لو كان الواحد مع الإمام صبيًّا مميّزًا، إذ غير المميّز لا تنعقد به جماعة بالاتّفاق .
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة - وهو رواية عن الإمام أحمد - إلى انعقادها باقتداء الصّبيّ مع حصول فضل الجماعة « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في الرّجل الّذي فاتته الجماعة: من يتصدّق على هذا » ، ولأنّه يصحّ أن يكون إمامًا ، وهو متنفّل ، فجاز أن يكون مأمومًا بالمفترض كالبالغ .
وعند المالكيّة - وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد - لا يحصل فضل الجماعة باقتداء الصّبيّ في الفرض ، لأنّ صلاة الصّبيّ نفل ، فكأنّ الإمام صلّى منفردًا .
وأمّا في التّطوّع فيصحّ باقتداء الصّبيّ ، ويحصل فضل الجماعة ، وهذا باتّفاق . « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ ابن عبّاس مرّةً وهو صبيّ ، وأمّ حذيفة مرّةً أخرى » .
ويختلف العدد بالنّسبة لإظهار الشّعيرة في البلدة أو القرية ، إذ أنّ صلاة الجماعة من شعائر الإسلام ، ولو تركها أهل قرية قوتلوا عليها ، ولذلك قال المالكيّة: قوتلوا عليها لتفريطهم في الشّعيرة ، ولا يخرج أهل البلد عن العهدة إلاّ بجماعة أقلّها ثلاثة: إمام ومأمومان ، ومؤذّن يدعو للصّلاة ، وموضع معدّ لها ، وهو المسجد .
وقال الشّافعيّة: إن امتنع أهل القرية قوتلوا ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصّلاة إلاّ استحوذ عليهم الشّيطان ، فعليك بالجماعة ، فإنّما يأكل الذّئب القاصية » فتجب بحيث يظهر الشّعار بإقامتها بمحلّ في القرية الصّغيرة والكبيرة بمحالّ يظهر بها الشّعار ، ويسقط الطّلب بطائفة وإن قلّت .
ويرى المالكيّة: أنّ الإمام الرّاتب بمسجد أو غيره إذا جاء في وقته المعتاد له ، فلم يجد أحدًا يصلّي معه ، فصلّى منفردًا ، بعد أن أذّن وأقام فإنّه يعتبر كالجماعة فضلًا وحكمًا ، ويحصل له فضل الجماعة إن نوى الإمامة ، لأنّه لا تتميّز صلاته منفردًا عن صلاته إمامًا إلاّ بالنّيّة ، ولذلك لا يعيد في أخرى ، ولا يصلّي بعده جماعةً ، ويجمع ليلة المطر .
والأحكام الّتي سبقت بالنّسبة للعدد الّذي تنعقد به الجماعة إنّما هو في غير الجمعة والعيد ، إذ فيهما يختلف العدد - ولكلّ مذهب رأيه في تحديد العدد ، حسبما يستند إليه من أدلّة . وينظر تفصيل ذلك في: ( صلاة الجمعة وصلاة العيدين ) .
أفضل مكان لصلاة الجماعة:
11 -تجوز إقامة صلاة الجماعة في أيّ مكان طاهر ، في البيت أو الصّحراء أو المسجد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ » . « وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لرجلين: إذا صلّيتما في رحالكما ، ثمّ أتيتما مسجد جماعة ، فصلّيا معهم ، فإنّها لكما نافلة » إلاّ أنّ الجماعة للفرائض في المسجد أفضل منها في غير المسجد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصّلاة المكتوبة » ، ولأنّ المسجد مشتمل على الشّرف والطّهارة ، كما أنّ إقامتها في المسجد فيه إظهار الشّعائر وكثرة الجماعة .