والصّلاة في المساجد الّتي يكثر فيها النّاس أفضل من الصّلاة في المساجد الّتي يقلّ فيها النّاس ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « صلاة الرّجل مع الرّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرّجل مع الرّجلين أزكى من صلاته مع الرّجل ، وما كانوا أكثر فهو أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ » وإن كان في جواره أو غير جواره مسجد لا تنعقد فيه الجماعة إلاّ بحضوره ، ففعلها فيه أفضل وأولى من فعلها في المسجد الّذي يكثر فيه النّاس ، لأنّه يعمّره بإقامة الجماعة فيه وبذلك تحصل الجماعة في مسجدين .
وإذا كانت الجماعة في المسجد أفضل من إقامتها في البيت فإنّه لو كان إذا ذهب الإنسان إلى المسجد ، وترك أهل بيته لصلّوا فرادى ، أو لتهاونوا أو تهاون بعضهم في الصّلاة ، أو لو صلّى في بيته لصلّى جماعةً ، وإذا صلّى في المسجد صلّى وحده فصلاته في بيته أفضل . وإن كان البلد ثغرًا فالأفضل اجتماع النّاس في مسجد واحد ، ليكون أعلى للكلمة ، وأوقع للهيبة ، وإذا جاءهم خبر عن عدوّهم سمعه جميعهم ، وإن أرادوا التّشاور في أمر حضر جميعهم ، وإن جاء عين الكفّار رآهم فأخبر بكثرتهم .
والصّلاة في المساجد الثّلاثة: - المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، والمسجد الأقصى - وإن قلّت الجماعة فيها أفضل منها في غيرها من المساجد وإن كثرت الجماعة فيها ، بل قال بعض الفقهاء: الانفراد فيها أفضل من الجماعة في غيرها .
وأمّا النّوافل فصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصّلاة المكتوبة» . لكن ما شرعت له الجماعة من السّنن فهو مستثنًى من الحديث ، وصلاته في المسجد أفضل من صلاته في البيت .
وما سبق من أفضليّة صلاة الجماعة في المسجد إنّما هو بالنّسبة للرّجال ، أمّا بالنّسبة للنّساء فالجماعة لهنّ في البيت أفضل منها في المسجد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
« صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها » .
ما تدرك به الجماعة:
12 -يفرّق بعض الفقهاء بين إدراك فضيلة الجماعة ، وبين ثبوت حكم الجماعة ، ويختلفون في القدر الّذي تدرك به فضيلة الجماعة . ويختلفون كذلك في القدر الّذي يثبت به حكم الجماعة . وبيان ذلك فيما يلي:
أوّلًا: ما تدرك به فضيلة الجماعة:
13 -اختلف الفقهاء في القدر الّذي تدرك به فضيلة الجماعة ، فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، وهو قول ابن يونس وابن رشد من المالكيّة تدرك فضيلة الجماعة باشتراك المأموم مع الإمام في جزء من صلاته ، ولو في القعدة الأخيرة قبل السّلام، لأنّه أدرك جزءًا من الصّلاة ، فأشبه ما لو أدرك ركعةً ، ولأنّ من أدرك آخر الشّيء فقد أدركه ، ولأنّه لو لم يدرك فضل الجماعة بذلك لمنع من الاقتداء ، لأنّه يكون حينئذ زيادة بلا فائدة ، لكن ثوابه يكون دون ثواب من أدركها من أوّلها .
ومقابل الصّحيح عند الشّافعيّة - وهو قول خليل والدّردير وابن الحاجب من المالكيّة - لا تدرك فضيلة الجماعة إلاّ بإدراك ركعة كاملة ، لأنّ الصّلاة كلّها ركعة مكرّرة .
ويشترط لحصول فضل الجماعة نيّة الاقتداء من المأموم ، ليحوز فضل الجماعة وهذا باتّفاق، أمّا نيّة الإمام الإمامة ففيها خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح: ( إمامة واقتداء ) .
ثانيًا: ما يثبت به حكم الجماعة وما يترتّب عليه من أحكام:
14 -المقصود بحكم الجماعة - كما يفسّره المالكيّة - أنّ من ثبت له حكم الجماعة لا يقتدى به ، ولا يعيد في جماعة ، ويصحّ استخلافه ، ويترتّب عليه سجود سهو الإمام . وحكم الجماعة هذا لا يثبت عند المالكيّة إلاّ بإدراك ركعة كاملة بسجدتيها مع الإمام .
أمّا عند الحنفيّة: فلا تدرك الجماعة إلاّ بإدراك ركعاتها كلّها في الجملة . يقول صاحب الدّرّ المختار وشرحه: لا يكون مصلّيًا جماعةً اتّفاقًا ( أي بين فقهاء المذهب ) من أدرك ركعةً من ذوات الأربع ، أو من الصّلاة الثّنائيّة أو الثّلاثيّة ، لأنّه منفرد ببعضها ، لكنّه أدرك فضلها ولو بإدراك التّشهّد . وكذا مدرك الثّلاث لا يكون مصلّيًا بجماعة على الأظهر . وقال السّرخسيّ: للأكثر حكم الكلّ ، لكن صاحب البحر ضعّفه .
إعادة الصّلاة جماعةً لمن صلّى منفردًا أو في جماعة:
15 -من أدّى الصّلاة المكتوبة منفردًا ثمّ وجد جماعةً استحبّ له أن يدخل مع الجماعة لتحصيل الفضل ، لما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « أنّه صلّى في مسجد الخيف، فرأى رجلين خلف الصّفّ لم يصلّيا معه ، فقال: عليّ بهما ، فجيء بهما ترعد فرائصهما ، فقال: ما منعكما أن تصلّيا معنا ؟ فقالا: يا رسول اللّه: إنّا كنّا قد صلّينا في رحالنا ، قال: فلا تفعلا ،إذا صلّيتما في رحالكما ثمّ أتيتما مسجد جماعة ، فصلّيا معهم ، فإنّها لكما نافلة » وعن أبي ذرّ - رضي الله عنه - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخّرون الصّلاة عن وقتها ، أو يميتون الصّلاة عن وقتها ؟ قال: قلت: فما تأمرني ؟ قال: صلّ الصّلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصلّ ، فإنّها لك نافلة » .