فهرس الكتاب

الصفحة 1428 من 2053

وهذا باتّفاق ، من حيث طلب الإعادة لتحصيل الفضل - وللفقهاء تفصيل في استثناء بعض الصّلوات من استحباب الإعادة - فعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لا تعاد صلاة المغرب ، لأنّ التّنفّل بالثّلاث بعد المغرب مكروه ، ولا نظير له في الشّرع ، فإذا أعادها شفع بجعلها أربعًا أو اقتصر على اثنتين ، وتصير نافلةً ، كمن دخل مع الإمام في ثانية المغرب ، أمّا إن أتمّ مع الإمام الثّلاث سهوًا لا يسلّم معه ، وأتى برابعة وجوبًا ، وسجد للسّهو . وزاد الحنفيّة عدم إعادة العصر والفجر ، لكراهة النّفل بعدهما ، وهو محكيّ عن بعض الشّافعيّة .

وقال المالكيّة: لو أوتر بعد العشاء فلا يعيد العشاء ، لأنّه إن أعاد الوتر لزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: « لا وتران في ليلة » ، وإن لم يعده لزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: « اجعلوا آخر صلاتكم وترًا » .

والصّلاة المعادة تكون نافلةً ، وهذا قول الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول الشّافعيّ في الجديد ، لأنّ الفرض لا يتكرّر في وقت واحد .

وقال المالكيّة: يفوّض في الثّانية أمره إلى اللّه تعالى في قبول أيّ من الصّلاتين لفرضه ، وهو قول الشّافعيّ في القديم .

وقال سعيد بن المسيّب وعطاء والشّعبيّ: تكون المعادة مع الجماعة هي المكتوبة ، لما روي في حديث يزيد بن عامر بن الأسود أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: « إذا جئت إلى الصّلاة فوجدت النّاس فصلّ معهم ، وإن كنت قد صلّيت تكن لك نافلةً وهذه مكتوبة » .

هذا بالنّسبة لمن صلّى منفردًا . أمّا بالنّسبة لمن صلّى المكتوبة في جماعة ثمّ وجد جماعةً أخرى فقد ذهب الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة إلى استحباب إعادة الصّلاة مرّةً أخرى في الجماعة الثّانية ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى الصّبح ، فرأى رجلين لم يصلّيا معه فقال: ما منعكما أن تصلّيا معنا ؟ قالا: صلّينا في رحالنا فقال: إذا صلّيتما في رحالكما ثمّ أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم فإنّها لكما نافلة » .

فقوله صلى الله عليه وسلم: « صلّيتما » يصدق بالانفراد والجماعة . وروى الأثرم عن الإمام أحمد قال: سألت أبا عبد اللّه عمّن صلّى في جماعة ثمّ دخل المسجد - وهم يصلّون - أيصلّي معهم ؟ قال: نعم . وقد روى أنس قال: صلّى بنا أبو موسى الغداة في المربد ، فانتهينا إلى المسجد الجامع ، فأقيمت الصّلاة ، فصلّينا مع المغيرة بن شعبة . وعن صلة عن حذيفة أنّه أعاد الظّهر والعصر والمغرب وكان قد صلّاهنّ في جماعة .

وذهب المالكيّة - وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة - إلى أنّ من صلّى في جماعة فلا يعيدها في جماعة أخرى ، لأنّه حصّل فضيلة الجماعة فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد ، واستثنى المالكيّة المسجد الحرام ، ومسجد المدينة وبيت المقدس . قالوا: يجوز لمن صلّى جماعةً في غير هذه المساجد أن يعيد فيها جماعةً ، لفضل تلك البقاع .

تكرار الجماعة في مسجد واحد:

16 -يكره تكرار الجماعة في مسجد الحيّ الّذي له إمام وجماعة معلومون ، لما روى أبو بكرة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصّلاة ، فوجد النّاس قد صلّوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلّى بهم » ولو لم يكره تكرار الجماعة في المسجد لما تركها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع علمه بفضل الجماعة في المسجد ، وورد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنّ أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كانوا إذا فاتتهم الجماعة صلّوا في المسجد فرادى ، ولأنّ التّكرار يؤدّي إلى تقليل الجماعة ، لأنّ النّاس إذا علموا أنّهم تفوتهم الجماعة يستعجلون ، فتكثر الجماعة ، وإذا علموا أنّها لا تفوتهم يتأخّرون ؛ فتقلّ الجماعة ، وتقليل الجماعة مكروه ، وهذا رأي جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - في الجملة ، إذ هناك بعض القيود مع شيء من التّفصيل لكلّ مذهب . فالحنفيّة يقيّدون كراهة التّكرار بما إذا صلّى في مسجد الحيّ أهله بأذان وإقامة ، فإذا صلّى فيه أوّلًا غير أهله أو صلّى فيه أهله بدون أذان وإقامة لا يكره تكرار الجماعة فيه. كذلك روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّه يكره التّكرار إذا كانت الجماعة الثّانية كثيرةً ، فأمّا إذا كانوا ثلاثةً أو أربعةً ، فقاموا في زاوية من زوايا المسجد وصلّوا بجماعة فلا يكره . وروي عن محمّد: أنّه يكره التّكرار إذا كانت الجماعة الثّانية على سبيل التّداعي والاجتماع، فأمّا إذا لم يكن فلا يكره .

وروي عن أبي يوسف: أنّه إذا لم تكن الجماعة الثّانية على الهيئة الأولى لا تكره ، وإلاّ تكره - وهو الصّحيح - وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة .

ويقول المالكيّة: يجوز للإمام الرّاتب الجمع - يعني أن يصلّي جماعةً - إن جمع غيره قبله بغير إذنه إن لم يؤخّر عن عادته كثيرًا ، فإن أذن لأحد أن يصلّي مكانه ، أو أخّر عن عادته تأخيرًا كثيرًا يضرّ بالمصلّين فجمعوا ، كره للإمام الجمع حينئذ . وبناءً على كراهة إعادة الصّلاة جماعةً في المسجد الّذي له إمام راتب فإنّه إذا دخل جماعة المسجد بعدما صلّى أهله فيه ففي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة يصلّون وحدانًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت