فهرس الكتاب

الصفحة 1429 من 2053

وعند المالكيّة يندب خروجهم من المسجد ليجمعوا خارجه ، أو مع إمام راتب آخر ، ولا يصلّون في هذا المسجد أفذاذًا ؛ لفوات فضل الجماعة ، إلاّ بالمساجد الثّلاثة"مكّة والمدينة والأقصى"، فلا يخرجون إذا وجدوا الإمام قد صلّى ويصلّون فيها أفذاذًا ؛ لفضل فذّها على جماعة غيرها ، وهذا إن دخلوها فوجدوا الرّاتب قد صلّى ، وأمّا إن علموا بصلاته قبل دخولهم فإنّهم يجمعون خارجها ، ولا يدخلونها ليصلّوا أفذاذًا .

وبعد أن ذكر الشّافعيّة كراهة إعادة صلاة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب ، قالوا: ومن حضر ولم يجد إلاّ من صلّى استحبّ لبعض من حضر أن يصلّي معه ؛ ليحصل له فضل الجماعة ، لما روى أبو سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - « أنّ رجلًا جاء ، وقد صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: من يتصدّق على هذا ؟ فقام رجل فصلّى معه » .

وهذا بناءً على قولهم بأنّ الجماعة الثّانية إنّما تكره إذا لم يأذن الإمام ، فإن أذن فلا كراهة . هذا بالنّسبة لمسجد الحيّ الّذي له إمام راتب .

17 -أمّا المسجد الّذي في سوق ، أو في الطّرق وممرّ النّاس ، فإنّه يجوز تكرار الجماعة فيه ، ولا تكره ؛ لأنّ النّاس فيه سواء ، لا اختصاص له بفريق دون فريق .

مثل ذلك المسجد الّذي ليس له إمام ولا مؤذّن ، ويصلّي النّاس فيه فوجًا فوجًا ، فإنّ الأفضل أن يصلّي كلّ فريق بأذان وإقامة ، وهذا باتّفاق .

وذهب الحنابلة إلى عدم كراهة إعادة الجماعة في المسجد ، ولو كان مسجد الحيّ وله إمام راتب ، بل قالوا: إذا صلّى إمام الحيّ ، حضر جماعة أخرى استحبّ لهم أن يصلّوا جماعةً ، وهو قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنّخعيّ وقتادة وإسحاق ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجةً » وفي رواية: « بسبع وعشرين درجةً » ، وروى أبو سعيد قال: « جاء رجل وقد صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: من يتصدّق على هذا ؟ فقام رجل فصلّى معه » ، وروى الأثرم بإسناده عن أبي أمامة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثله وزاد قال: « فلمّا صلّيا قال: وهذان جماعة » . ولأنّه قادر على الجماعة ، فاستحبّ له فعلها ، كما لو كان المسجد في ممرّ النّاس وهذا فيما عدا إعادة الجماعة في المساجد الثّلاثة ، فقد روي عن الإمام أحمد ، وبعض المالكيّة كراهة إعادة الجماعة فيها ، وفي رأي آخر عند الحنابلة لا تكره ، وخالف في ذلك بعض المالكيّة حيث أفتى بالجواز .

الصّلاة عند قيام الجماعة:

18 -من دخل المسجد ، وقد أخذ المؤذّن في إقامة الصّلاة فلا يجوز له الانشغال عنها بنافلة ، سواء أخشي فوات الرّكعة الأولى أم لم يخش فواتها ؛ لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أقيمت الصّلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة » ولأنّ ما يفوته مع الإمام أفضل ممّا يأتي به ، فلا يشتغل به ، وقد روت السّيّدة عائشة - رضي الله تعالى عنها - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج حين أقيمت الصّلاة ، فرأى ناسًا يصلّون ، فقال: أصلاتان معًا ؟ » . وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .

وبهذا قال أبو هريرة ، وابن عمر ، وعروة ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وهو مذهب الحنفيّة بالنّسبة لغير سنّة الفجر .

وقال الحنفيّة في سنّة الفجر: إذا خاف فوت ركعتي الفجر لاشتغاله بسنّتها تركها ؛ لكون الجماعة أكمل ، فلا يشرع فيها . وإذا رجا إدراك ركعة مع الإمام فلا يترك سنّة الفجر ، بل يصلّيها ، وذلك في ظاهر المذهب ، وقيل: إذا رجا إدراك التّشهّد مع الإمام فإنّه يصلّي السّنّة خارج المسجد عند بابه إن وجد مكانًا ، فإن لم يجد مكانًا تركها ولا يصلّيها داخل المسجد ؛ لأنّ التّنفّل في المسجد عند اشتغال الإمام بالفريضة مكروه .

وروي عن ابن مسعود: أنّه دخل والإمام في صلاة الصّبح فركع ركعتي الفجر ، وهذا مذهب الحسن ، ومكحول ، ومجاهد ، وحمّاد بن أبي سليمان .

19 -ومن كان يصلّي النّافلة ، ثمّ أقيمت صلاة الجماعة فقد قال الشّافعيّة والحنابلة: إن لم يخش فوات الجماعة بسلام الإمام فإنّه يتمّ النّافلة ، ولا يقطعها ؛ لقوله تعالى: { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ثمّ يدخل في الجماعة .

وقال المالكيّة: إن لم يخش فوات ركعة بإتمام النّافلة بأن تحقّق أو ظنّ أنّه يدرك الإمام في الرّكعة الأولى عقب إتمام ما هو فيه أتمّها ، ثمّ دخل مع الجماعة .

أمّا إن خشي فوات الجماعة - كما يقول الشّافعيّة والحنابلة - أو خشي فوات ركعة - كما يقول المالكيّة - فإنّه يقطع النّافلة وجوبًا عند المالكيّة ، وندبًا في غير الجمعة عند الشّافعيّة، ووجوبًا في الجمعة"أي إن كانت الّتي يصلّيها الإمام هي الجمعة"، وعند الحنابلة روايتان حكاهما ابن قدامة ، إحداهما: يتمّ النّافلة ، والثّانية: يقطعها ؛ لأنّ ما يدركه من الجماعة أعظم أجرًا وأكثر ثوابًا ممّا يفوته بقطع النّافلة ؛ لأنّ صلاة الجماعة تزيد على صلاة الرّجل وحده سبعًا وعشرين درجةً .

أمّا الحنفيّة: فلم يقيّدوا القطع أو الإتمام بإدراك الجماعة ، أو عدم إدراكها ؛ لأنّ الشّروع في النّافلة عندهم يجعلها واجبةً ، ولذلك يقولون: الشّارع في نفل لا يقطع مطلقًا إذا أقيمت الجماعة وهو في صلاة النّافلة ، بل يتمّه ركعتين ، وإذا كان في سنّة الظّهر ، أو سنّة الجمعة ، إذا أقيمت الظّهر ، أو خطب الإمام ، فإنّه يتمّها أربعًا على القول الرّاجح ؛ لأنّها صلاة واحدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت