فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 2053

ولأنّ سدّ الفرجة الّتي في الصّفوف مصلحة عامّة له وللقوم بإتمام صلاته وصلاتهم ، فإنّ تسوية الصّفوف من تمام الصّلاة ، كما ورد في الحديث . وقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسدّ الفرج .

وهذا باتّفاق بين الفقهاء في الجملة إذ إنّ بعض المالكيّة يحدّد الصّفوف الّتي يجوز اختراقها بصفّين غير الّذي خرج منه والّذي دخل فيه ، كذلك قال الحنابلة: لو كانت الفرجة بحذائه كره أن يمشي إليها عرضًا بين يدي بعض المأمومين ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرّ بين يديه» .

27 -ومن لم يجد فرجةً في أيّ صفّ فقد اختلف الفقهاء فيما ينبغي أن يفعله حينئذ .

قال الحنفيّة: من لم يجد فرجةً ينبغي أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطفّ معه خلف الصّفّ، فإن لم يجد أحدًا وخاف فوات الرّكعة جذب من الصّفّ إلى نفسه من يعرف منه علمًا وخلقًا لكي لا يغضب عليه ، فإن لم يجد وقف خلف الصّفّ بحذاء الإمام ، ولا كراهة حينئذ ، لأنّ الحال حال العذر ، هكذا ذكر الكاسانيّ في البدائع ، لكن الكمال بن الهمام ذكر في الفتح: أنّ من جاء والصّفّ ملآن يجذب واحدًا منه ، ليكون معه صفًّا آخر ، ثمّ قال: وينبغي لذلك"أي لمن كان في الصّفّ"أن لا يجيبه ، فتنتفي الكراهة عن هذا ؛ لأنّه فعل وسعه .

وقال المالكيّة: من لم يمكنه الدّخول في الصّفّ ، فإنّه يصلّي منفردًا عن المأمومين ، ولا يجذب أحدًا من الصّفّ ، وإن جذب أحدًا فلا يطعه المجذوب ؛ لأنّ كلًّا من الجذب والإطاعة مكروه .

والصّحيح عند الشّافعيّة: أنّ من لم يجد فرجةً ولا سعةً فإنّه يستحبّ أن يجرّ إليه شخصًا من الصّفّ ليصطفّ معه ، لكن مع مراعاة أنّ المجرور سيوافقه ، وإلاّ فلا يجرّ أحدًا منعًا للفتنة، وإذا جرّ أحدًا فيندب للمجرور أن يساعده لينال فضل المعاونة على البرّ والتّقوى .

ومقابل الصّحيح - وهو ما نصّ عليه في البويطيّ واختاره القاضي أبو الطّيّب - أنّه يقف منفردًا ، ولا يجذب أحدًا ؛ لئلاّ يحرم غيره فضيلة الصّفّ السّابق .

وقال الحنابلة: من لم يجد موضعًا في الصّفّ يقف فيه وقف عن يمين الإمام إن أمكنه ذلك ; لأنّه موقف الواحد ، فإن لم يمكنه الوقوف عن يمين الإمام فله أن ينبّه رجلًا من الصّفّ ليقف معه ، وينبّهه بكلام أو بنحنحة أو إشارة ويتبعه من ينبّهه .

وظاهره وجوبًا لأنّه من باب ما لا يتمّ الواجب إلاّ به .

ويكره تنبيهه بجذبه نصًّا ، واستقبحه أحمد وإسحاق لما فيه من التّصرّف فيه بغير إذنه .

وقال ابن عقيل: جوّز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفًّا ، وصحّح ذلك ابن قدامة ؛ لأنّ الحالة داعية إليه ، فجاز كالسّجود على ظهره أو قدمه حال الزّحام ، وليس هذا تصرّفًا فيه ، إنّما هو تنبيهه ليخرج معه ، فجرى مجرى مسألته أن يصلّي معه ، وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لينوا بأيدي إخوانكم » فإن امتنع من الخروج معه لم يكرهه وصلّى وحده .

الأعذار الّتي تبيح التّخلّف عن صلاة الجماعة:

الأعذار الّتي تبيح التّخلّف عن صلاة الجماعة: منها ما هو عامّ ، ومنها ما هو خاصّ . وبيان ذلك فيما يلي:

أوّلًا: الأعذار العامّة:

28 -أ - المطر الشّديد الّذي يشقّ معه الخروج للجماعة ، والّذي يحمل النّاس على تغطية رءوسهم .

ب - الرّيح الشّديدة ليلًا لما في ذلك من المشقّة .

ج - البرد الشّديد ليلًا أو نهارًا ، وكذلك الحرّ الشّديد . والمراد البرد أو الحرّ الّذي يخرج عمّا ألفه النّاس أو ألفه أصحاب المناطق الحارّة أو الباردة .

د - الوحل الشّديد الّذي يتأذّى به الإنسان في نفسه وثيابه ، ولا يؤمن معه التّلوّث .

وعن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين وردغة فقال: لا أحبّ تركها .

قال ابن عابدين: وفي شرح الزّاهديّ عن شرح التّمرتاشيّ: اختلف في كون الأمطار والثّلوج والأوحال والبرد الشّديد عذرًا ، وعن أبي حنيفة: إذا اشتدّ التّأذّي يعذر ، وفي وجه عند الشّافعيّة - وهو مقابل الصّحيح - أنّ الوحل ليس بعذر ، والصّحيح أنّه عذر .

هـ - الظّلمة الشّديدة ، والمراد بها كون الإنسان لا يبصر طريقه إلى المسجد ، قال ابن عابدين: والظّاهر أنّه لا يكلّف إيقاد نحو سراج وإن أمكنه ذلك .

والدّليل على كون الأعذار السّابقة من مطر وغيره تبيح التّخلّف عن الجماعة الأحاديث الواردة في ذلك ومنها:

ما روي أنّ ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أذّن بالصّلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: ألا صلّوا في الرّحال ، ثمّ قال: « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذّن إذا كانت ليلةً ذات برد ومطر يقول: ألا صلّوا في رحالكم » وفي رواية: « كان يأمر مناديه في اللّيلة الممطرة واللّيلة الباردة ذات الرّيح أن يقول: ألا صلّوا في رحالكم » .

عن عبد اللّه بن الحارث ، عن عبد اللّه بن عبّاس: « أنّه قال لمؤذّنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه . أشهد أنّ محمّدًا رسول اللّه فلا تقل: حيّ على الصّلاة . قل: صلّوا في بيوتكم . قال: فكأنّ النّاس استنكروا ذاك . فقال: أتعجبون من ذا ؟ قد فعل ذا من هو خير منّي . إنّ الجمعة عَزْمةٌ . وإنّي كرهت أن أحرجكم ، فتمشوا في الطّين والدّحض » .

ثانيًا: الأعذار الخاصّة:

أ - المرض:

29 -وهو المرض الّذي يشقّ معه الإتيان إلى المسجد لصلاة الجماعة . قال ابن المنذر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت