22 -قال الفقهاء: يبدأ المسافر القصر إذا فارق بيوت المصر ، فحينئذ يصلّي ركعتين . وأصله ما روى أنس - رضي الله عنه - قال: « صلّيت الظّهر مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا ، وصلّيت معه العصر بذي الحليفة ركعتين » ، وما روي عن عليّ - رضي الله عنه -: أنّه لمّا خرج من البصرة يريد الكوفة صلّى الظّهر أربعًا ثمّ نظر إلى خصّ أمامه وقال: لو جاوزنا هذا الخصّ صلّينا ركعتين .
والمعتبر مفارقة البيوت من الجانب الّذي يخرج منه ، وإن كان في غيره من الجوانب بيوت. ويدخل في بيوت المصر المباني المحيطة به ، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقصر في سفره إلاّ بعد الخروج من المدينة .
والقريتان المتدانيتان المتّصل بناء إحداهما بالأخرى ، أو الّتي يرتفق أهل إحداهما بالأخرى فهما كالقرية الواحدة ، وإلاّ فلكلّ قرية حكم نفسها يقصر إذا جاوز بيوتها والأبنية الّتي في طرفها .
وساكن الخيام يقصر إذا فارق خيام قومه ومرافقها ، كملعب الصّبيان ، والبساتين المسكونة المتّصلة بالبلد ، ولو حكمًا لا يقصر إلاّ إذا فارقها إن سافر من ناحيتها ، أو من غير ناحيتها، وكان محاذيًا لها عند المالكيّة . ويقصر سكّان القصور والبساتين وأهل العزب إذا فارقوا ما نسبوا إليه بما يعدّ مفارقةً عرفًا .
والبلدة الّتي لها سور ، لا يقصر إلاّ إذا جاوزه وإن تعدّد ، كما قال الشّافعيّة .
وقالوا أيضًا: يعتبر مجاوزة عرض الوادي إن سافر في عرضه ، والهبوط إن كان في ربوة، والصّعود إن كان في وهدة . وهذا إن سافر في البرّ ، ويعتبر في سفر البحر المتّصل ساحله بالبلد جري السّفينة أو الزّورق ، فيقصر بمجرّد تحرّكها ، أمّا إذا كان البحر بعيدًا عن المدينة فالعبرة بمجاوزة سور المدينة .
الصّلوات الّتي تقصر ، ومقدار القصر:
23 -الصّلوات الّتي تقصر هي: الصّلاة الرّباعيّة ، وهي: الظّهر ، والعصر ، والعشاء إجماعًا ، ولا قصر في الفجر والمغرب لحديث عائشة - رضي الله عنها -: « فرض صلاة السّفر والحضر ركعتين ركعتين . فلمّا أقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنّها وتر النّهار » ولأنّ القصر هو: سقوط شطر الصّلاة ، وبعد سقوط الشّطر من الفجر والمغرب لا يبقى نصف مشروع ، بخلاف الصّلاة الرّباعيّة فإنّها هي الّتي تقصر ، وذلك في جميع المذاهب .
ومقدار القصر: أن تصير الرّباعيّة ركعتين لا غير . ولا قصر في السّنن عند الحنفيّة .
ولا قصر في المنذورة عند الشّافعيّة .
اقتداء المسافر بالمقيم ، وعكسه:
24 -يقول الحنفيّة: يصحّ اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت ، وينقلب فرض المسافر أربعًا عند عامّة الفقهاء من الحنفيّة لأنّه لمّا اقتدى به صار تبعًا له ؛ لأنّ متابعته واجبة عليه ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه » وأداء الصّلاة في الوقت ممّا يحتمل التّغيير ، وهو التّبعيّة ، فيتغيّر فرضه أربعًا ، فصار صلاة المقتدي مثل صلاة الإمام ، فصحّ اقتداؤه به .
ولا يصحّ اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت عند الحنفيّة ؛ لأنّ الصّلاة خارج الوقت من باب القضاء ، وهو خلف عن الأداء ، والأداء لم يتغيّر فلا يتغيّر القضاء بالاقتداء بالمقيم ، فبقيت صلاته ركعتين وصارت القعدة الأولى للتّشهّد فرضًا في حقّه ، وهي نفل في حقّ الإمام فيكون هذا اقتداء المفترض بالمتنفّل في حقّ القعدة ، وكما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل في جميع الصّلاة ، فلا يجوز في ركن منها .
ولو أنّ مقيمًا صلّى ركعتين بقراءة ، فلمّا قام إلى الثّالثة جاء مسافر واقتدى به بعد خروج الوقت لا يصحّ ؛ لما سبق بيانه من أنّ فرض المسافر تقرّر ركعتين بخروج الوقت ، والقراءة فرض عليه في الرّكعتين ، وهي نفل في حقّ المقيم في الأخيرتين ، فيكون اقتداء المفترض بالمتنفّل في حقّ القراءة .
وأمّا اقتداء المقيم بالمسافر فيصحّ في الوقت وخارج الوقت ؛ لأنّ صلاة المسافر في الحالتين واحدة ، والقعدة فرض في حقّه نفل في حقّ المقتدي ، واقتداء المتنفّل بالمفترض جائز في كلّ الصّلاة فكذا في بعضها ، وإذا سلّم الإمام على رأس الرّكعتين لا يسلّم المقيم ؛ لأنّه قد بقي عليه شطر الصّلاة ، فلو سلّم فسدت صلاته ، ولكنّه يقوم ويتمّها أربعًا ؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أتمّوا يا أهل مكّة صلاتكم ، فإنّا قوم سفر » ، ويقول الإمام المسافر ذلك للمقيمين اقتداءً بالرّسول عليه السلام .
وعند المالكيّة: يجوز اقتداء المسافر بالمقيم مع الكراهة ، ويلزمه الإتمام ولو نوى القصر ; لمتابعة الإمام ، وهذا إذا أدرك معه ركعةً ، واختلف في الإعادة ، لمخالفة سنّة القصر . ويجوز - أيضًا - اقتداء المقيم بالمسافر مع الكراهة ، ويسلّم المسافر ، ويتمّ المقيم . ويجوز كذلك عند الشّافعيّة والحنابلة اقتداء المسافر بالمقيم ، ويلزمه الإتمام . كما يجوز اقتداء المقيم بالمسافر ، وفرضا الإتمام .
وذهب طاوس والشّعبيّ وتميم بن حذلم: إلى أنّ المسافر إن أدرك مع الإمام المقيم ركعتين أجزأتا عنه .
وذهب الحسن والزّهريّ والنّخعيّ وقتادة: إلى أنّه إن أدرك معه ركعةً فأكثر أتمّ ، وإن أدرك معه أقلّ من ركعة قصر .
قضاء فائتة السّفر في الحضر وعكسه: