فهرس الكتاب

الصفحة 1450 من 2053

25 -قال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في القديم: من فاتته صلاة في السّفر قضاها في الحضر ركعتين ، ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السّفر أربعًا ؛ لأنّ القضاء بحسب الأداء . والمعتبر في ذلك آخر الوقت ؛ لأنّه المعتبر في السّببيّة عند عدم الأداء في الوقت . وقال زفر: إذا سافر وقد بقي من الوقت قدر ما يمكنه أن يصلّي فيه صلاة السّفر يقضي صلاة السّفر ، وإن كان الباقي دونه صلّى صلاة المقيم .

وذهب الشّافعيّة في الجديد - وهو الأصحّ - إلى أنّه لا يجوز له القصر ؛ لأنّه تخفيف تعلّق بعذر فزال بزوال العذر . وإن فاتته في السّفر فقضاها في السّفر ففيه قولان:

أحدهما: لا يقصر ؛ لأنّها صلاة ردّت من أربع إلى ركعتين ، فكان من شرطها الوقت . والثّاني: له أن يقصر - وهو الأصحّ - لأنّه تخفيف تعلّق بعذر ، والعذر باق ، فكان التّخفيف باقيًا . وإن فاتته في الحضر صلاة ، فأراد قضاءها في السّفر لم يجز له القصر ؛ لأنّه ثبت في ذمّته صلاة تامّة فلم يجز له القصر ، وقال المزنيّ: له أن يقصر .

وقال الحنابلة: إذا نسي صلاة حضر فذكرها في السّفر ، أو نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر صلّى في الحالتين صلاة حضر . نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود والأثرم ؛ لأنّ القصر رخصة من رخص السّفر فيبطل بزواله .

زوال حالة السّفر:

26 -المسافر إذا صحّ سفره يظلّ على حكم السّفر ، ولا يتغيّر هذا الحكم إلاّ أن ينوي الإقامة ، أو يدخل وطنه ، وحينئذ تزول حالة السّفر ، ويصبح مقيمًا تنطبق عليه أحكام المقيم . وللإقامة شرائط هي:

الأولى: نيّة الإقامة ومدّتها المعتبرة:

27 -نيّة الإقامة أمر لا بدّ منه عند الحنفيّة ، حتّى لو دخل مصرًا ومكث فيه شهرًا أو أكثر لانتظار قافلة ، أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدًا ، ولم ينو الإقامة ، فإنّه لا يصير مقيمًا ، وذلك لإجماع الصّحابة - رضي الله عنهم - فإنّه روي عن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه - أنّه: أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصّلاة .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما -: أنّه أقام بأذربيجان شهرًا وكان يقصر الصّلاة .

وعن علقمة: أنّه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر .

وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنّه قال: « غزوت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح ، فأقام بمكّة ثماني عشرة ليلةً ، لا يصلّي إلاّ ركعتين ، ويقول: يا أهل البلد: صلّوا أربعًا فإنّا قوم سفر » .

أمّا مدّة الإقامة المعتبرة: فأقلّها خمسة عشرة يومًا ؛ لما روي عن ابن عبّاس وابن عمر رضي الله عنهم - أنّهما قالا: إذا دخلت بلدةً وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يومًا فأكمل الصّلاة ، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر ، قال الكاسانيّ: وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد ؛ لأنّه من جملة المقادير ، ولا يظنّ بهما التّكلّم جزافًا ، فالظّاهر أنّهما قالاه سماعًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .

وعند المالكيّة: لا بدّ من النّيّة ، وأقلّ مدّة الإقامة أربعة أيّام صحاح مع وجوب عشرين صلاةً في مدّة الإقامة ، ولا يحتسب من الأيّام يوم الدّخول إن دخل بعد طلوع الفجر ، ولا يوم الخروج إن خرج في أثنائه .

ولا بدّ من اجتماع الأمرين: الأربعة الأيّام والعشرين صلاةً .

واعتبر سحنون: العشرين صلاةً فقط .

ثمّ إنّ نيّة الإقامة إمّا أن تكون في ابتداء السّير ، وإمّا أن تكون في أثنائه ، فإن كانت في ابتداء السّير ، وكانت المسافة بين النّيّة وبين محلّ الإقامة مسافة قصر ، قصر الصّلاة حتّى يدخل محلّ الإقامة بالفعل ، وإلاّ أتمّ من حين النّيّة ، أمّا إن كانت النّيّة في أثناء السّفر فإنّه يقصر حتّى يدخل محلّ الإقامة بالفعل ، ولو كانت المسافة بينهما دون مسافة القصر على المعتمد ، ويستثنى من نيّة الإقامة نيّة العسكر بمحلّ خوف ، فإنّها لا تقطع حكم السّفر .

وإذا أقام بمحلّ في أثناء سفره دون أن ينوي الإقامة به ، فإنّ إقامته به لا تمنع القصر ولو أقام مدّةً طويلةً إلاّ أنّه إذا علم أنّه سيقيم أربعة أيّام في مكان عادةً ، فإنّ ذلك يقطع حكم السّفر ولو لم ينو الإقامة ؛ لأنّ العلم بالإقامة كالنّيّة ، بخلاف الشّكّ فإنّه لا يقطع حكم السّفر. ويقول الشّافعيّة: لو نوى المسافر المستقلّ ، ولو محاربًا إقامة أربعة أيّام تامّةً بلياليها ، أو نوى الإقامة وأطلق بموضع عينه ، انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع سواء أكان مقصده أم في طريقه ، أو نوى بموضع وصل إليه إقامة أربعة أيّام انقطع سفره بالنّيّة مع مكثه .

ولو أقام أربعة أيّام بلا نيّة انقطع سفره بتمامها ؛ لأنّ اللّه تعالى أباح القصر بشرط الضّرب في الأرض ، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض .

والسّنّة بيّنت أنّ ما دون الأربع لا يقطع السّفر ، ففي الصّحيحين: « يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا » ، وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكّة ومساكنة الكفّار ، فالتّرخّص في الثّلاث يدلّ على بقاء حكم السّفر ، بخلاف الأربعة ، وألحق بإقامة الأربعة: نيّة إقامتها .

ولا يحسب من الأربعة يوما دخوله وخروجه إذا دخل نهارًا على الصّحيح ، والثّاني يحسبان بالتّلفيق ، فلو دخل زوال السّبت ليخرج زوال الأربعاء أتمّ ، وقبله قصر ، فإن دخل ليلًا لم تحسب بقيّة اللّيلة ويحسب الغد .

واختار السّبكيّ من الشّافعيّة: أنّ الرّخصة لا تتعلّق بعدد الأيّام بل بعدد الصّلوات ، فيترخّص بإقامة مدّة يصلّي فيها إحدى وعشرين صلاةً مكتوبةً ؛ لأنّه المحقّق من فعله صلى الله عليه وسلم حين نزل بالأبطح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت