ولو أقام ببلد بنيّة أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقّعها كلّ وقت ، أو حبسه الرّيح بموضع في البحر قصر ثمانية عشر يومًا غير يومي الدّخول والخروج ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقامها بمكّة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصّلاة .
وقيل: يقصر أربعة أيّام غير يومي الدّخول والخروج ، وفي قول: يقصر أبدًا ؛ لأنّ الظّاهر أنّه لو زادت حاجة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الثّمانية عشر لقصر في الزّائد .
ولو علم المسافر بقاء حاجته مدّةً طويلةً فلا قصر له على المذهب ؛ لأنّه ساكن مطمئنّ بعيد عن هيئة المسافرين .
وعند الحنابلة: لو نوى إقامة أكثر من عشرين صلاةً أتمّ لحديث جابر وابن عبّاس - رضي الله عنهم - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قدم مكّة صبيحة رابعة ذي الحجّة فأقام بها الرّابع والخامس والسّادس والسّابع ، وصلّى الصّبح في اليوم الثّاني ، ثمّ خرج إلى منًى ، وكان يقصر الصّلاة في هذه الأيّام ، وقد عزم على إقامتها » . ولو نوى المسافر إقامةً مطلقةً بأن لم يحدّها بزمن معيّن في بلدة أتمّ ؛ لزوال السّفر المبيح للقصر بنيّة الإقامة ، ولو شكّ في نيّته ، هل نوى إقامة ما يمنع القصر أو لا ؟ أتمّ ؛ لأنّه الأصل .
وإن أقام المسافر لقضاء حاجة يرجو نجاحها أو جهاد عدوّ بلا نيّة إقامة تقطع حكم السّفر ، ولا يعلم قضاء الحاجة قبل المدّة ولو ظنًّا ، أو حبس ظلمًا ، أو حبسه مطر قصر أبدًا ؛ لأنّ
« النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصّلاة » .
فإن علم أو ظنّ أنّها لا تنقضي في أربعة أيّام لزمه الإتمام ، كما لو نوى إقامة أكثر من أربعة أيّام . وإن نوى إقامةً بشرط ، كأن يقول: إن لقيت فلانًا في هذا البلد أقمت فيه وإلاّ فلا ، فإن لم يلقه في البلد فله حكم السّفر ؛ لعدم الشّرط الّذي علّق الإقامة عليه ؛ وإن لقيه به صار مقيمًا ؛ لاستصحابه حكم نيّة الإقامة إن لم يكن فسخ نيّته الأولى للإقامة قبل لقائه أو حال لقائه ، وإن فسخ النّيّة بعد لقائه فهو كمسافر نوى الإقامة ، فليس له أن يقصر في موضع إقامته ؛ لأنّه محلّ ثبت له فيه حكم الإقامة ، فأشبه وطنه .
الشّريطة الثّانية - اتّحاد مكان المدّة المشترطة للإقامة:
28 -صرّح الحنفيّة بأنّ المدّة الّتي يقيمها المسافر ويصير بها مقيمًا ، يشترط فيها أن تقضى في مكان واحد أو ما يشبه المكان الواحد ؛ لأنّ الإقامة قرار والانتقال يضادّه .
فإذا نوى المسافر الإقامة المدّة القاطعة للسّفر في موضعين ، فإن كانا مصرًا واحدًا أو قريةً واحدةً صار مقيمًا ؛ لأنّهما متّحدان حكمًا ، وإن كانا مصرين نحو مكّة ومنىً ، أو الكوفة والحيرة ، أو إن كانا قريتين ، أو أحدهما مصرًا والآخر قريةً فلا يصير مقيمًا ، ولا تزول حالة السّفر ؛ لأنّهما مكانان متباينان حقيقةً وحكمًا . فإن نوى المسافر أن يقيم باللّيالي في أحد الموضعين ويخرج بالنّهار إلى الموضع الآخر ، فإن دخل أوّلًا الموضع الّذي نوى المقام فيه باللّيل يصير مقيمًا ، ثمّ بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرًا ؛ لأنّ موضع إقامة الرّجل حيث يبيت فيه .
الشّريطة الثّالثة - صلاحية المكان للإقامة:
29 -يقول الحنفيّة: لا بدّ أن يكون المكان الّذي يقيم فيه المسافر صالحًا للإقامة ، والمكان الصّالح للإقامة: هو موضع اللّبث والقرار في العادة ، نحو الأمصار والقرى ، وأمّا المفازة والجزيرة والسّفينة فليست موضع الإقامة ، حتّى لو نوى الإقامة في هذه المواضع خمسة عشر يومًا لا يصير مقيمًا ، كذا روي عن أبي حنيفة ، وروي عن أبي يوسف في الأعراب والأكراد والتّركمان إذا نزلوا بخيامهم في موضع ، ونووا الإقامة خمسة عشر يومًا صاروا مقيمين ، وعلى هذا: إذا نوى المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يومًا يصير مقيمًا كما في القرية ، وفي رواية أخرى عن أبي يوسف: أنّهم لا يصيرون بذلك مقيمين .
والحاصل أنّ هناك قولًا واحدًا عند أبي حنيفة وهو: لا يصير مقيمًا في المفازة ولو كان ثمّة قوم وطنوا ذلك المكان بالخيام والفساطيط . وعن أبي يوسف روايتان . والصّحيح قول أبي حنيفة ؛ لأنّ موضع الإقامة موضع القرار ، والمفازة ليست موضع القرار في الأصل فكانت النّيّة لغوًا .
ولو حاصر المسلمون مدينةً من مدائن أهل الحرب ، ووطّنوا أنفسهم على إقامة خمسة عشر يومًا لم تصحّ نيّة الإقامة ويقصرون ، وكذا إذا نزلوا المدينة وحاصروا أهلها في الحصن . وقال أبو يوسف: إن كانوا في الأخبية والفساطيط خارج البلدة فكذلك ، وإن كانوا في الأبنية صحّت نيّتهم . وقال زفر في الفصلين جميعًا: إن كانت الشّوكة والغلبة للمسلمين صحّت نيّتهم ، وإن كان للعدوّ لم تصحّ .
أمّا المالكيّة والشّافعيّة فلا يشترطون أن يكون المكان صالحًا للإقامة ، فلو نوى المسافر الإقامة في مكان ، ولو كان غير صالح للإقامة صحّت نيّته ، وامتنع القصر .
وعند الحنابلة قولان في اشتراط كون المكان صالحًا للإقامة .
حكم التّبعيّة في الإقامة والعبرة لنيّة المتبوع فيها:
30 -يقول الحنفيّة: العبرة بنيّة الأصل في الإقامة ، ويصير التّبع مقيمًا بإقامة الأصل كالعبد والمرأة والجيش ونحو ذلك .
وإنّما يصير التّبع مقيمًا بإقامة الأصل ، وتنقلب صلاته أربعًا إذا علم التّبع بنيّة إقامة الأصل. فأمّا إذا لم يعلم فلا ، حتّى إذا صلّى التّبع صلاة المسافرين قبل العلم بنيّة إقامة الأصل ، فإنّ صلاته جائزة ، ولا يجب عليه إعادتها .
وقد مرّ بيان حكم التّبعيّة في حالة السّفر ، وتفصيل المذاهب في ذلك .
والإقامة كالسّفر في التّبعيّة .
دخول الوطن: