8 -اتّفق الفقهاء على سنّيّة صوم عاشوراء وتاسوعاء - وهما: اليوم العاشر ، والتّاسع من المحرّم - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء: » أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله « .
ولحديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: » هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب اللّه عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر« .
وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع « .
وقد كان صوم يوم عاشوراء فرضًا في الإسلام ، ثمّ نسخت فرضيّته بصوم رمضان ، فخيّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه ، وهو اختيار كثيرين واختيار الشّيخ تقيّ الدّين من الحنابلة ، وهو الّذي قاله الأصوليّون .
وصوم يوم عاشوراء - كما سبق في الحديث الشّريف - يكفّر ذنوب سنة ماضية . والمراد بالذّنوب: الصّغائر ، قال الدّسوقيّ: فإن لم يكن صغائر ، حتّت من كبائر سنة ، وذلك التّحتيت موكول لفضل اللّه ، فإن لم يكن كبائر رفع له درجات .
وقال البهوتيّ: قال النّوويّ في شرح مسلم عن العلماء: المراد كفّارة الصّغائر ، فإن لم تكن له صغائر رجي التّخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن له كبائر رفع له درجات .
وصرّح الحنفيّة: بكراهة صوم يوم عاشوراء منفردًا عن التّاسع ، أو عن الحادي عشر . كما صرّح الحنابلة: بأنّه لا يكره إفراد عاشوراء بالصّوم ، وهذا ما يفهم من مذهب المالكيّة.
قال الحطّاب: قال الشّيخ زرّوق في شرح القرطبيّة: واستحبّ بعض العلماء صوم يوم قبله ويوم بعده ، وهذا الّذي ذكره عن بعض العلماء غريب لم أقف عليه .
وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهًا:
أحدها: أنّ المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: » صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا « .
الثّاني: أنّ المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم ، كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده . الثّالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط ، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر .
واستحبّ الحنفيّة والشّافعيّة صوم الحادي عشر ، إن لم يصم التّاسع .
قال الشّربينيّ الخطيب: بل نصّ الشّافعيّ في الأمّ والإملاء على استحباب صوم الثّلاثة .
ج - صوم يوم عرفة:
9 -اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم عرفة لغير الحاجّ - وهو: اليوم التّاسع من ذي الحجّة - وصومه يكفّر سنتين: سنةً ماضيةً ، وسنةً مستقبلةً ، روى أبو قتادة رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » صيام يوم عرفة ، أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله ، والسّنة الّتي بعده « .
قال الشّربينيّ الخطيب: وهو أفضل الأيّام لحديث مسلم: » ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه فيه عبدًا من النّار من يوم عرفة « .
وذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى عدم استحبابه للحاجّ ، ولو كان قويًّا ، وصومه مكروه له عند المالكيّة والحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشّافعيّة ، لما روت أمّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما: » أنّها أرسلت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره بعرفة ، فشرب « .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: » أنّه حجّ مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ أبي بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، فلم يصمه أحد منهم « ، لأنّه يضعفه عن الوقوف والدّعاء ، فكان تركه أفضل ، وقيل: لأنّهم أضياف اللّه وزوّاره .
وقال الشّافعيّة: ويسنّ فطره للمسافر والمريض مطلقًا ، وقالوا: يسنّ صومه لحاجّ لم يصل عرفة إلاّ ليلًا ، لفقد العلّة .
وذهب الحنفيّة إلى استحبابه للحاجّ - أيضًا - إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخلّ بالدّعوات ، فلو أضعفه كره له الصّوم .
د - صوم الثّمانية من ذي الحجّة:
10 -اتّفق الفقهاء على استحباب صوم الأيّام الثّمانية الّتي من أوّل ذي الحجّة قبل يوم عرفة ، لحديث ابن عبّاس: رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: » ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى اللّه من هذه الأيّام - يعني أيّام العشر - قالوا: يا رسول اللّه ولا الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل اللّه ، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ، فلم يرجع من ذلك بشيء « .
قال الحنابلة: وآكده: الثّامن ، وهو يوم التّروية .
وصرّح المالكيّة: بأنّ صوم يوم التّروية يكفّر سنةً ماضيةً .
وصرّح المالكيّة ، والشّافعيّة: بأنّه يسنّ صوم هذه الأيّام للحاجّ أيضًا .
واستثنى المالكيّة من ذلك صيام يوم التّروية للحاجّ .
قال في المتيطيّة: ويكره للحاجّ أن يصوم بمنىً وعرفة تطوّعًا .
قال الحطّاب: بمنىً يعني في يوم التّروية ، يسمّى عند المغاربة: يوم منىً .
هـ - صوم ستّة أيّام من شوّال:
11 -ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ومتأخّرو الحنفيّة - إلى أنّه يسنّ صوم ستّة أيّام من شوّال بعد صوم رمضان ، لما روى أبو أيّوب رضي الله تعالى عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » من صام رمضان ، ثمّ أتبعه ستًّا من شوّال ، كان كصيام الدّهر « .