وعن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وستّة أيّام بعدهنّ بشهرين ، فذلك تمام سنة « يعني: أنّ الحسنة بعشرة أمثالها: الشّهر بعشرة أشهر ، والأيّام السّتّة بستّين يومًا ، فذلك سنة كاملة . وصرّح الشّافعيّة ، والحنابلة: بأنّ صوم ستّة أيّام من شوّال - بعد رمضان - يعدل صيام سنة فرضًا ، وإلاّ فلا يختصّ ذلك برمضان وستّة من شوّال ، لأنّ الحسنة بعشرة أمثالها . ونقل عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كراهة صوم ستّة من شوّال ، متفرّقًا كان أو متتابعًا .
وعن أبي يوسف: كراهته متتابعًا ، لا متفرّقًا . لكن عامّة المتأخّرين من الحنفيّة لم يروا به بأسًا .
قال ابن عابدين ، نقلًا عن صاحب الهداية في كتابه التّجنيس: والمختار أنّه لا بأس به ، لأنّ الكراهة إنّما كانت لأنّه لا يؤمن من أن يعدّ ذلك من رمضان ، فيكون تشبّهًا بالنّصارى ، والآن زال ذلك المعنى ، واعتبر الكاسانيّ محلّ الكراهة: أن يصوم يوم الفطر ، ويصوم بعده خمسة أيّام ، فأمّا إذا أفطر يوم العيد ثمّ صام بعده ستّة أيّام فليس بمكروه ، بل هو مستحبّ وسنّة .
وكره المالكيّة صومها لمقتدىً به ، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها ، إن صامها متّصلةً برمضان متتابعةً وأظهرها ، أو كان يعتقد سنّيّة اتّصالها ، فإن انتفت هذه القيود استحبّ صيامها .
قال الحطّاب: قال في المقدّمات: كره مالك - رحمه الله تعالى - ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجهالة والجفاء ، وأمّا الرّجل في خاصّة نفسه فلا يكره له صيامها .
وصرّح الشّافعيّة ، والحنابلة: بأنّه لا تحصل الفضيلة بصيام السّتّة في غير شوّال ، وتفوت بفواته ، لظاهر الأخبار .
ومذهب الشّافعيّة: استحباب صومها لكلّ أحد ، سواء أصام رمضان أم لا ، كمن أفطر لمرض أو صبًا أو كفر أو غير ذلك ، قال الشّربينيّ الخطيب: وهو الظّاهر ، كما جرى عليه بعض المتأخّرين ، وإن كانت عبارة كثيرين: يستحبّ لمن صام رمضان أن يتبعه بستّ من شوّال كلفظ الحديث .
وعند الحنابلة: لا يستحبّ صيامها إلاّ لمن صام رمضان .
12 -كما ذهب الشّافعيّة وبعض الحنابلة إلى أفضليّة تتابعها عقب العيد مبادرةً إلى العبادة، ولما في التّأخير من الآفات .
ولم يفرّق الحنابلة بين التّتابع والتّفريق في الأفضليّة .
وعند الحنفيّة تستحبّ السّتّة متفرّقةً: كلّ أسبوع يومان .
أمّا المالكيّة: فذهبوا إلى كراهة صومها متّصلةً برمضان متتابعةً ، ونصّوا على حصول الفضيلة ولو صامها في غير شوّال ، بل استحبّوا صيامها في عشر ذي الحجّة ، ذلك أنّ محلّ تعيينها في الحديث في شوّال على التّخفيف في حقّ المكلّف ، لاعتياده الصّيام ، لا لتخصيص حكمها بذلك .
قال العدويّ: إنّما قال الشّارع:"من شوّال"للتّخفيف باعتبار الصّوم ، لا تخصيص حكمها بذلك الوقت ، فلا جرم إن فعلها في عشر ذي الحجّة مع ما روي في فضل الصّيام فيه أحسن، لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيّام المذكورة . بل فعلها في ذي القعدة حسن أيضًا ، والحاصل: أنّ كلّ ما بعد زمنه كثر ثوابه لشدّة المشقّة .
و - صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر:
13 -اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وذهب الجمهور منهم - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى استحباب كونها الأيّام البيض - وهي الثّالث عشر والرّابع عشر والخامس عشر من كلّ شهر عربيّ - سمّيت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدّة البياض فيها ، لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: » يا أبا ذرّ ، إذا صمت من الشّهر ثلاثة أيّام ، فصم ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة « .
قال الشّافعيّة: والأحوط صوم الثّاني عشر معها - أيضًا - للخروج من خلاف من قال: إنّه أوّل الثّلاثة ، ويستثنى ثالث عشر ذي الحجّة فلا يجوز صومه لكونه من أيّام التّشريق . فيبدّل بالسّادس عشر منه كما قال القليوبيّ .
وذهب المالكيّة إلى كراهة صوم الأيّام البيض ، فرارًا من التّحديد ، ومخافة اعتقاد وجوبها . ومحلّ الكراهة: إذا قصد صومها بعينها ، واعتقد أنّ الثّواب لا يحصل إلاّ بصومها خاصّةً . وأمّا إذا قصد صيامها من حيث إنّها ثلاثة أيّام من الشّهر فلا كراهة .
قال الموّاق: نقلًا عن ابن رشد: إنّما كره مالك صومها لسرعة أخذ النّاس بقوله ، فيظنّ الجاهل وجوبها . وقد روي أنّ مالكًا كان يصومها ، وحضّ مالك - أيضًا - الرّشيد على صيامها .
وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر كصوم الدّهر ، بمعنى: أنّه يحصل بصيامها أجر صيام الدّهر بتضعيف الأجر: الحسنة بعشرة أمثالها .
لحديث قتادة بن ملحان رضي الله عنه: » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . قال: قال: وهنّ كهيئة الدّهر « أي كصيام الدّهر .
ز - صوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع:
14 -اتّفق الفقهاء على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع .
لما روى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس . فسئل عن ذلك ؟ فقال: إنّ أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس ، وأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم « ، ولما ورد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال: فيه ولدت ، وفيه أنزل عليّ « .
ح - صوم الأشهر الحرم:
15 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم الأشهر الحرم .