وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّ أفضل الأشهر الحرم: المحرّم ، ثمّ رجب ، ثمّ باقيها: ذو القعدة وذو الحجّة .
والأصل في ذلك قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » أفضل الصّلاة بعد الصّلاة المكتوبة الصّلاة في جوف اللّيل ، وأفضل الصّيام بعد شهر رمضان صيام شهر اللّه المحرّم « . ومذهب الحنفيّة: أنّه من المستحبّ أن يصوم الخميس والجمعة والسّبت من كلّ شهر من الأشهر الحرم .
وذهب الحنابلة إلى أنّه يسنّ صوم شهر المحرّم فقط من الأشهر الحرم .
وذكر بعضهم استحباب صوم الأشهر الحرم ، لكن الأكثر لم يذكروا استحبابه ، بل نصّوا على كراهة إفراد رجب بالصّوم ، لما روى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب « .
ولأنّ فيه إحياءً لشعار الجاهليّة بتعظيمه . وتزول الكراهة بفطره فيه ولو يومًا ، أو بصومه شهرًا آخر من السّنة وإن لم يل رجبًا .
ط - صوم شهر شعبان:
16 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى استحباب صوم شهر شعبان ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا منه في شعبان « .
وعنها قالت: » كان أحبّ الشّهور إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ، بل كان يصله برمضان « .
قال الشّربينيّ الخطيب: ورد في مسلم: » كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كلّه: كان يصوم شعبان إلاّ قليلًا « .
قال العلماء: اللّفظ الثّاني مفسّر للأوّل ، فالمراد بكلّه غالبه .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: » ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطّ إلاّ رمضان « .
قال العلماء: وإنّما لم يستكمل ذلك لئلاّ يظنّ وجوبه .
وذهب الحنابلة إلى عدم استحباب صوم شعبان ، وذلك في قول الأكثر ، واستحبّه صاحب الإرشاد .
ى - صوم يوم الجمعة:
17 -لا بأس عند الحنفيّة بصوم يوم الجمعة بانفراده ، وهو قول أبي حنيفة ومحمّد ويندب عند المالكيّة ، لما روي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه كان يصومه ولا يفطر . وقال أبو يوسف: جاء حديث في كراهته إلاّ أن يصوم قبله وبعده ، فكان الاحتياط أن يضمّ إليه يومًا آخر ، قال ابن عابدين: ثبت بالسّنّة طلبه والنّهي عنه ، والآخر منهما النّهي ، لأنّ فيه وظائف ، فلعلّه إذا صام ضعف عن فعلها .
ومحلّ النّهي عند المالكيّة هو مخافة فرضيّته ، وقد انتفت هذه العلّة بوفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصّوم ، لحديث: » لا يصم أحدكم يوم الجمعة ، إلاّ أن يصوم قبله أو بعده « وليتقوّى بفطره على الوظائف المطلوبة فيه ، أو لئلاّ يبالغ في تعظيمه كاليهود في السّبت ، ولئلاّ يعتقد وجوبه ، ولأنّه يوم عيد وطعام .
حكم الشّروع في صوم التّطوّع:
18 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه ، وأنّه يجب على الصّائم المتطوّع إتمامه إذا بدأ فيه ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان صائمًا فليصلّ ، وإن كان مفطرًا فليطعم « قوله: فليصلّ: أي فليدع .
قال القرطبيّ: ثبت هذا عنه عليه الصلاة والسلام ، ولو كان الفطر جائزًا لكان الأفضل الفطر ، لإجابة الدّعوة الّتي هي السّنّة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم لزوم صوم التّطوّع بالشّروع فيه ، ولا يجب على الصّائم تطوّعًا إتمامه إذا بدأ فيه ، وله قطعه في أيّ وقت شاء ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: » قلت: يا رسول اللّه ، أهدي لنا حيس ، فقال: أرنيه ، فلقد أصبحت صائمًا فأكل « وزاد النّسائيّ: » إنّما مثل صوم التّطوّع مثل الرّجل يخرج من ماله الصّدقة ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء حبسها « .
ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » الصّائم المتطوّع أمين نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر « .
إفساد صوم التّطوّع وما يترتّب عليه:
19 -صرّح المالكيّة بحرمة إفساد صوم التّطوّع لغير عذر ، وهو ما يفهم من كلام الحنفيّة، حيث جاء في الفتاوى الهنديّة ما نصّه: ذكر الرّازيّ عن أصحابنا أنّ الإفطار بغير عذر في صوم التّطوّع لا يحلّ ، هكذا في الكافي .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة قطعه بلا عذر ، واستحباب إتمامه لظاهر قوله تعالى: { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } ، وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه .
ومن الأعذار الّتي ذكرها الحنفيّة والمالكيّة لجواز الفطر: الحلف على الصّائم بطلاق امرأته إن لم يفطر ، فحينئذ يجوز له الفطر ، بل نصّ الحنفيّة على ندب الفطر دفعًا لتأذّي أخيه المسلم . لكن الحنفيّة قيّدوا جواز الفطر إلى ما قبل نصف النّهار أمّا بعده فلا يجوز .
وكذلك من الأعذار عند الحنفيّة: الضّيافة للضّيف والمضيف إن كان صاحبها ممّن لا يرضى بمجرّد الحضور ، وكان الصّائم يتأذّى بترك الإفطار ، شريطة أن يثق بنفسه بالقضاء ، وقيّد المالكيّة جواز الفطر بالحلف بالطّلاق بتعلّق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها ، بحيث يخشى أن لا يتركها إن حنث ، فحينئذ يجوز للمحلوف عليه الفطر ، ولا قضاء عليه أيضًا .
ومن الأعذار - أيضًا -: أمر أحد أبويه له بالفطر . وقيّد الحنفيّة جواز الإفطار بما إذا كان أمر الوالدين إلى العصر لا بعده ، قال ابن عابدين: ولعلّ وجهها أنّ قرب وقت الإفطار يرفع ضرر الانتظار .
وألحق المالكيّة بالأبوين: الشّيخ في السّفر ، الّذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه ، ومثله عندهم: شيخ العلم الشّرعيّ .