8 -اتّفق الفقهاء على أنّ التّطهير من النّجاسة لا يحتاج إلى نيّة ، فليست النّيّة بشرط في طهارة الخبث ، ويطهر محلّ النّجاسة بغسله بلا نيّة ، لأنّ الطّهارة عن النّجاسة من باب التّروك ، فلم تفتقر إلى النّيّة كما علّله المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
ولأنّ إزالة النّجاسة تعبّد غير معقول المعنى .
وقال البابرتيّ من الحنفيّة: الماء طهور بطبعه ، فإذا لاقى النّجس طهّره قصد المستعمل ذلك أو لا ، كالثّوب النّجس .
ما تحصل به الطّهارة:
9 -اتّفق الفقهاء على أنّ الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث ، لقول اللّه تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ } .
ولحديث أسماء رضي الله تعالى عنها قالت: » جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة ، كيف تصنع به ؟ قال: تحتّه ثمّ تقرصه بالماء، ثمّ تنضحه ، ثمّ تصلّي فيه « .
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يجوز تطهير النّجاسة بالماء المطلق ، وبكلّ مائع طاهر قالع ، كالخلّ وماء الورد ونحوه ممّا إذا عصر انعصر ، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما كان لإحدانا إلاّ ثوب واحد تحيض فيه ، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها ، فقصعته بظفرها - أي حكّته - .
ولأنّه مزيل بطبعه ، فوجب أن يفيد الطّهارة كالماء بل أولى ، لأنّه أقلع لها ، ولأنّا نشاهد ونعلم بالضّرورة أنّ المائع يزيل شيئًا من النّجاسة في كلّ مرّة ، ولهذا يتغيّر لون الماء به ، والنّجاسة متناهية ، لأنّها مركّبة من جواهر متناهية ، فإذا انتهت أجزاؤها بقي المحلّ طاهرًا لعدم المجاورة .
واتّفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة ، فإذا انقلبت الخمر خلًا بنفسها فإنّها تطهر ، لأنّ نجاستها لشدّتها المسكرة الحادثة لها ، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها ، فوجب أن تطهر ، كالماء الّذي تنجّس بالتّغيّر إذا زال تغيّره بنفسه .
وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ جلد الميتة يطهر بالدّباغة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » إذا دبغ الإهاب فقد طهر « .
وقال المالكيّة والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدّباغ .
لما روي عن عبد اللّه بن عكيم قال: » أتانا كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - بأرض جهينة ، قال: وأنا غلام - قبل وفاته بشهر أو شهرين: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب « .
وعدّ الحنفيّة من المطهّرات: الدّلك ، والفرك ، والمسح ، واليبس ، وانقلاب العين ، فيطهر الخفّ والنّعل إذا تنجّس بذي جرم بالدّلك ، والمنيّ اليابس بالفرك ، ويطهر الصّقيل كالسّيف والمرآة بالمسح ، والأرض المتنجّسة باليبس ، والخنزير والحمار بانقلاب العين ، كما لو وقعا في المملحة فصارا ملحًا .
المياه الّتي يجوز التّطهير بها ، والّتي لا يجوز:
10 -قسّم الفقهاء الماء من حيث جواز التّطهير به ورفعه للحدث والخبث ، أو عدم ذلك ، إلى عدّة أقسام:
أ - ماء طاهر مطهّر غير مكروه ، وهو الماء المطلق ، وهو الماء الباقي على خلقته ، أو هو الّذي لم يخالطه ما يصير به مقيّدًا .
والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتّفاق الفقهاء . ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما تغيّر بطول مكثه ، أو بما هو متولّد منه كالطّحلب .
ب - ماء طاهر مطهّر مكروه ، وخصّ كلّ مذهب هذا القسم بنوع من المياه: فخصّ الحنفيّة ذلك بالماء الّذي شرب منه حيوان مثل الهرّة الأهليّة والدّجاجة المخلاة وسباع الطّير والحيّة والفأرة ، وكان قليلًا ، والكراهة تنزيهيّة على الأصحّ ، وهو ما ذهب إليه الكرخيّ معلّلًا ذلك بعدم تحاميها النّجاسة ، ثمّ إنّ الكراهة إنّما هي عند وجود المطلق ، وإلاّ فلا كراهة أصلًا .
وصرّح المالكيّة بأنّ الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنّه يكره استعماله بعد ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب لا في إزالة حكم خبث ، والكراهة مقيّدة بأمرين: أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلًا كآنية الوضوء والغسل ، وأن يوجد غيره ، وإلاّ فلا كراهة ، كما يكره عندهم الماء اليسير - وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونها - إذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيّره ، قال الدّسوقيّ: الكراهة مقيّدة بقيود سبعة: أن يكون الماء الّذي حلّت فيه النّجاسة يسيرًا ، وأن تكون النّجاسة الّتي حلّت فيه قطرة فما فوقها ، وأن لا تغيّره ، وأن يوجد غيره ، وأن لا يكون له مادّة كبئر ، وأن لا يكون جاريًا ، وأن يراد استعماله فيما يتوقّف على طهور ، كرفع حدث حكم خبث ووضوء أو غسل مندوب ، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة .
ومن المكروه أيضًا: الماء اليسير الّذي ولغ فيه كلب ولو تحقّقت سلامة فيه من النّجاسة ، وسؤر شارب الخمر .
وعند الشّافعيّة الماء المكروه ثمانية: المشمّس ، وشديد الحرارة ، وشديد البرودة ، وماء ديار ثمود إلاّ بئر النّاقة ، وماء ديار قوم لوط ، وماء بئر برهوت ، وماء أرض بابل ، وماء بئر ذروان .
والمكروه عند الحنابلة: الماء المتغيّر بغير ممازج ، كدهن وقطران وقطع كافور ، أو ماء سخّن بمغصوب أو بنجاسة ، أو الماء الّذي اشتدّ حرّه أو برده ، والكراهة مقيّدة بعدم الاحتياج إليه ، فإن احتيج إليه تعيّن وزالت الكراهة .
وكذا يكره استعمال ماء البئر الّذي في المقبرة ، وماء في بئر في موضع غصب ، وما ظنّ تنجّسه ، كما نصّوا على كراهة استعمال ماء زمزم في إزالة النّجاسة دون طهارة الحدث تشريفًا له .