ج - ماء طاهر في نفسه غير مطهّر ، وهو عند الحنفيّة الماء المستعمل ، وعرّفوه بأنّه: ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة ، ولا يجوز استعماله في طهارة الأحداث ، بخلاف الخبث ، ويصير مستعملًا عندهم بمجرّد انفصاله عن الجسد ولو لم يستقرّ بمحلّ .
وعند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - هو: الماء المغيّر طعمه أو لونه أو ريحه بما خالطه من الأعيان الطّاهرة تغيّرًا يمنع إطلاق اسم الماء عليه ، وهو كذلك عند الشّافعيّة: الماء المستعمل في فرض الطّهارة ونفلها على الجديد .
وصرّح جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - بأنّ هذا النّوع لا يرفع حكم الخبث أيضًا ، وعند الحنفيّة يرفع حكم الخبث .
د - ماء نجس ، وهو: الماء الّذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلًا ، أو كان كثيرًا وغيّرته ، وهذا لا يرفع الحدث ولا النّجس بالاتّفاق .
هـ - ماء مشكوك في طهوريّته ، وانفرد بهذا القسم الحنفيّة ، وهو عندهم: ما شرب منه بغل أو حمار .
و - ماء محرّم لا تصحّ الطّهارة به ، وانفرد به الحنابلة ، وهو عندهم: ماء آبار ديار ثمود - غير بئر النّاقة - والماء المغصوب ، وماء ثمنه المعيّن حرام .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( مياه ) .
تطهير محلّ النّجاسة:
11 -اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محلّ النّجاسة:
فذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين النّجاسة المرئيّة وغير المرئيّة .
فإذا كانت النّجاسة مرئيّةً فإنّه يطهر المحلّ المتنجّس بها بزوال عينها ولو بغسلة واحدة على الصّحيح ولو كانت النّجاسة غليظةً ، ولا يشترط تكرار الغسل ، لأنّ النّجاسة فيه باعتبار عينها ، فتزول بزوالها .
وعن أبي جعفر: أنّه يغسل مرّتين بعد زوال العين ، وعن فخر الإسلام: ثلاثًا بعده ، ويشترط زوال الطّعم في النّجاسة ، لأنّ بقاءه يدلّ على بقاء العين ، ولا يضرّ بقاء لون النّجاسة الّذي يشقّ زواله ، وكذا الرّيح وإن لم يشقّ زواله .
وهذا الحكم فيما إذا صبّ الماء على النّجاسة ، أو غسلها في الماء الجاري .
أمّا لو غسلها في إجّانة فيطهر بالثّلاث إذا عصر في كلّ مرّة .
وإذا كانت النّجاسة غير مرئيّة فإنّه يطهر المحلّ بغسلها ثلاثًا وجوبًا ، والعصر كلّ مرّة في ظاهر الرّواية ، تقديرًا لغلبة الظّنّ في استخراجها .
قال الطّحاويّ: ويبالغ في المرّة الثّالثة حتّى ينقطع التّقاطر ، والمعتبر قوّة كلّ عاصر دون غيره ، فلو كان بحيث لو عصر غيره قطّر طهر بالنّسبة إليه دون ذلك الغير ، ولو لم يصرف قوّته لرقّة الثّوب قيل: يطهر للضّرورة . وهو الأظهر ، وقيل: لا يطهر وهو اختيار قاضي خان .
وفي رواية: يكتفى بالعصر مرّةً .
ثمّ إنّ اشتراط الغسل والعصر ثلاثًا إنّما هو إذا غمسه في إجّانة ، أمّا إذا غمسه في ماء جار حتّى جرى عليه الماء أو صبّ عليه ماء كثير ، بحيث يخرج ما أصابه من الماء ويخلف غيره ثلاثًا ، فقد طهر مطلقًا بلا اشتراط عصر وتكرار غمس .
ويقصد بالنّجاسة المرئيّة عندهم: ما يرى بعد الجفاف ، وغير المرئيّة: ما لا يرى بعده . وذهب المالكيّة إلى أنّه يطهر محلّ النّجاسة بغسله من غير تحديد عدد ، بشرط زوال طعم النّجاسة ولو عسر ، لأنّ بقاء الطّعم دليل على تمكّن النّجاسة من المحلّ فيشترط زواله ، وكذلك يشترط زوال اللّون والرّيح إن تيسّر ذلك ، بخلاف ما إذا تعسّر .
وذهب الشّافعيّة إلى التّفريق بين أن تكون النّجاسة عينًا أو ليست بعين .
فإن كانت النّجاسة عينًا فإنّه يجب إزالة الطّعم ، ومحاولة إزالة اللّون والرّيح ، فإن عسر زوال الطّعم ، بأن لم يزل بحتّ أو قرص ثلاث مرّات عفي عنه ما دام العسر ، ويجب إزالته إذا قدر ، ولا يضرّ بقاء لون أو ريح عسر زواله فيعفى عنه ، فإن بقيا معًا ضرّ على الصّحيح ، لقوّة دلالتهما على بقاء عين النّجاسة .
وإن لم تكن النّجاسة عينًا - وهي ما لا يدرك لها عين ولا وصف ، سواء أكان عدم الإدراك لخفاء أثرها بالجفاف ، كبول جفّ فذهبت عينه ولا أثر له ولا ريح ، فذهب وصفه ، أم لا ، لكون المحلّ صقيلًا لا تثبت عليه النّجاسة كالمرآة والسّيف - فإنّه يكفي جري الماء عليه مرّةً ، وإن لم يكن بفعل فاعل كمطر .
وذهب الحنابلة إلى أنّه تطهر المتنجّسات بسبع غسلات منقّية ، لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعًا .
وقد أمر به في نجاسة الكلب ، فيلحق به سائر النّجاسات ، لأنّها في معناها ، والحكم لا يختصّ بمورد النّصّ ، بدليل إلحاق البدن والثّوب به .
قال البهوتيّ: فعلى هذا يغسل محلّ الاستنجاء سبعًا كغيره ، صرّح به القاضي والشّيرازيّ وابن عقيل ، ونصّ عليه أحمد في رواية صالح ، لكن نصّ في رواية أبي داود ، واختاره في المغني: أنّه لا يجب فيه عدد ، اعتمادًا على أنّه لم يصحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء ، لا في قوله ولا فعله .
ويضرّ عندهم بقاء الطّعم ، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضرّ كذلك بقاء اللّون أو الرّيح أو هما معًا إن تيسّر إزالتهما ، فإن عسر ذلك لم يضرّ .
وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير ، أمّا نجاستهما فللفقهاء فيها تفصيل آخر سيأتي بيانه .
تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول:
12 -الغسالة المتغيّرة بأحد أوصاف النّجاسة نجسة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه ولونه وطعمه « .