قال الخرشيّ من المالكيّة: سواء كان تغيّرها بالطّعم أو اللّون والرّيح ولو المتعسّرين ، ومن ثمّ ينجس المحلّ الّذي تصيبه الغسالة المتغيّرة ، ويكون تطهيره كتطهير أيّ محلّ متنجّس عند الجمهور .
لكنّ الحنابلة القائلين بأنّه لا يطهر المحلّ المتنجّس إلاّ بغسله سبعًا ، فيغسل عندهم ما نجس ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة ، فلو تنجّس بالغسلة الرّابعة مثلًا غسل ثلاث غسلات لأنّها نجاسة تطهر في محلّها بما بقي من الغسلات ، فطهرت به في مثله .
وصرّح المالكيّة بأنّ الغسالة غير المتغيّرة طاهرة ، قال الدّردير: لو غسلت قطرة بول مثلًا في جسد أو ثوب وسالت غير متغيّرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرًا .
وعند الشّافعيّة: الغسالة غير المتغيّرة إن كانت قلّتين فطاهرة ، وإن كانت دونهما فثلاثة أقوال عند الشّافعيّة ، أظهرها: أنّ حكمها حكم المحلّ بعد الغسل ، إن كان نجسًا بعد فنجسة، وإلاّ فطاهرة غير مطهّرة ، وهو مذهب الشّافعيّ الجديد .
وعند الحنابلة: إن غسلت بالطّهور نجاسة فانفصل متغيّرًا بها ، أو انفصل غير متغيّر قبل زوال النّجاسة ، كالمنفصل من الغسلة السّادسة فما دونها وهو يسير فنجس ، لأنّه ملاق لنجاسة لم يطهّرها .
وإن انفصل القليل غير متغيّر بعد زوال النّجاسة ، كالمنفصل عن محلّ طهر أرضًا كان المحلّ أو غيرها ، فطهور إن كان قلّتين فأكثر ، وإن كان دون قلّتين فطاهر .
تطهير الآبار:
13 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر ، فإنّ تطهيره يكون بالتّكثير إلى أن يزول التّغيّر ، ويكون التّكثير بالتّرك حتّى يزيد الماء ويصل إلى حدّ الكثرة ، أو بصبّ ماء طاهر فيه حتّى يصل هذا الحدّ .
كما ذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار النّزح طريقًا للتّطهير أيضًا .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر فإنّ تطهيره يكون بالنّزح فقط .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( آبار ف 21 وما بعدها ) .
الوضوء والاغتسال في موضع نجس:
14 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجّس به المتوضّئ أو المغتسل ، وتوقّي ذلك كلّه أولى ، ولأنّه يورث الوسوسة ففي الحديث: » لا يبولن أحدكم في مستحمّه ، ثمّ يغتسل أو يتوضّأ فيه ، فإنّ عامّة الوسواس منه « .
تطهير الجامدات والمائعات:
15 -ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا وقعت النّجاسة في جامد ، كالسّمن الجامد ونحوه ، فإنّ تطهيره يكون برفع النّجاسة وتقوير ما حولها وطرحه ، ويكون الباقي طاهرًا ، لما روت ميمونة رضي الله تعالى عنها: » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: ألقوها ، وما حولها فاطرحوه ، وكلوا سمنكم « .
وإذا وقعت النّجاسة في مائع فإنّه ينجّس ، ولا يطهر عند جمهور الفقهاء ، ويراق ، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السّمن فقال: » إن كان جامدًا فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعًا فلا تقربوه « وفي رواية: » وإن كان مائعًا فأريقوه « .
وذهب الحنفيّة إلى إمكان تطهيره بالغلي ، وذلك بأن يوضع في ماء ويغلي ، فيعلو الدّهن الماء ، فيرفع بشيء ، وهكذا ثلاث مرّات .
قال ابن عابدين: وهذا عند أبي يوسف ، وهو أوسع وعليه الفتوى ، خلافًا لمحمّد .
وقريب منه ما اختاره أبو الخطّاب من الحنابلة: أنّ ما يتأتّى تطهيره بالغلي - كالزّيت - يطهر به كالجامد ، وطريقة ذلك: جعله في ماء كثير يخاض فيه ، حتّى يصيب الماء جميع أجزائه ، ثمّ يترك حتّى يعلو على الماء ، فيؤخذ .
وعند الحنابلة ، كما قاله ابن قدامة: لا يطهر غير الماء من المائعات بالتّطهير في قول القاضي وابن عقيل ، قال ابن عقيل: إلاّ الزّئبق ، فإنّه لقوّته وتماسكه يجري مجرى الجامد. واستدلّ ابن قدامة بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن السّمن إذا وقعت فيه الفأرة ، فقال: » إن كان مائعًا فلا تقربوه ، ولو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بإراقته « .
تطهير المياه النّجسة:
16 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ تطهير المياه النّجسة يكون بصبّ الماء عليها ومكاثرتها حتّى يزول التّغيّر .
ولو زال التّغيّر بنفسه ، أو بنزح بعضه ، فعند المالكيّة قولان ، قيل: إنّ الماء يعود طهورًا، وقيل: باستمرار نجاسته ، وهذا هو الأرجح .
قال الدّسوقيّ: لأنّ النّجاسة لا تزال إلاّ بالماء المطلق ، وليس حاصلًا ، وحينئذ فيستمرّ بقاء النّجاسة .
ومحلّ القولين في الماء الكثير الّذي زال تغيّره بنفسه أو بنزح بعضه ، أمّا القليل فإنّه باق على تنجّسه بلا خلاف .
كما يطهر الماء النّجس عند المالكيّة لو زال تغيّره بإضافة طاهر ، وبإلقاء طين أو تراب إن زال أثرهما ، أي لم يوجد شيء من أوصافهما فيما ألقيا فيه ، أمّا إن وجد فلا يطهر ، لاحتمال بقاء النّجاسة مع بقاء أثرهما .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى: أنّ الماء إن بلغ قلّتين فإنّه لا ينجس إلاّ إذا غيّرته النّجاسة، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث « .
وقوله صلى الله عليه وسلم: » إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه « وتطهيره حينئذ يكون بزوال التّغيّر ، سواء زال التّغيّر بنفسه: كأن زال بطول المكث ، أو بإضافة ماء إليه .