24 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أصابت أسفل الخفّ أو النّعل نجاسة فإنّ تطهيره يكون بغسله ، ولا يجزئ لو دلكه كالثّوب والبدن ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون النّجاسة رطبةً أو جافّةً ، وعند الشّافعيّة قولان في العفو عن النّجاسة الجافّة إذا دلكت ، أصحّهما: القول الجديد للشّافعيّ ، وهو أنّه لا يجوز حتّى يغسله ، ولا تصحّ الصّلاة به ، والثّاني: يجوز لما روى أبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: » إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذىً فليمسحه ، وليصلّ فيهما « .
قال الرّافعيّ: إذا قلنا بالقديم وهو العفو فله شروط:
أحدها: أن يكون للنّجاسة جرم يلتصق بالخفّ ، أمّا البول ونحوه فلا يكفي دلكه بحال . الثّاني: أن يدلكه في حال الجفاف ، وأمّا ما دام رطبًا فلا يكفي دلكه قطعًا .
الثّالث: أن يكون حصول النّجاسة بالمشي من غير تعمّد ، فلو تعمّد تلطيخ الخفّ بها وجب الغسل قطعًا .
ونقل البهوتيّ عن الإنصاف أنّ يسير النّجاسة إذا كانت على أسفل الخفّ والحذاء بعد الدّلك يعفى عنه على القول بنجاسته .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّه إذا أصاب الخفّ نجاسة لها جرم ، كالرّوث والعذرة ، فجفّت ، فدلكه بالأرض جاز ، والرّطب وما لا جرم له كالخمر والبول لا يجوز فيه إلاّ الغسل ، وقال أبو يوسف: يجزئ المسح فيهما إلاّ البول والخمر ، وقال محمّد: لا يجوز فيهما إلاّ الغسل كالثّوب .
ولأبي يوسف إطلاق قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » إذا أصاب خفّ أحدكم أو نعله أذىً فليدلكهما في الأرض ، وليصلّ فيهما ، فإنّ ذلك طهور لهما « من غير فصل بين الرّطب واليابس ، والمتجسّد وغيره ، وللضّرورة العامّة .
ولأبي حنيفة هذا الحديث . إلاّ أنّ الرّطب إذا مسح بالأرض يتلطّخ به الخفّ أكثر ممّا كان ، فلا يطهّره بخلاف اليابس ، لأنّ الخفّ لا يتداخله إلاّ شيء يسير وهو معفوّ عنه ، ولا كذلك البول والخمر لأنّه ليس فيه ما يجتذب مثل ما على الخفّ ، فيبقى على حاله ، حتّى لو لصق عليه طين رطب فجفّ ، ثمّ دلكه جاز ، كالّذي له جرم ، وبخلاف الثّوب لأنّه متخلّل فتتداخله أجزاء النّجاسة ، فلا تزول بالمسح ، فيجب الغسل .
ولمحمّد القياس على الثّوب والبساط ، بجامع أنّ النّجاسة تداخلت في الخفّ تداخلها فيهما . قال الكمال: وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ ، وهو المختار لعموم البلوى .
وقال السّرخسيّ عن قول أبي يوسف: وهو صحيح ، وعليه الفتوى للضّرورة .
وفرّق المالكيّة بين أرواث الدّوابّ وأبوالها وبين غيرها من النّجاسات ، فإذا أصاب الخفّ شيء من روث الدّوابّ وأبوالها فإنّه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتّى زالت العين ، وكذا إن جفّت النّجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم .
وقيّد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخفّ أو النّعل بالنّجاسة بموضع يطرقه الدّوابّ كثيرًا - كالطّرق - لمشقّة الاحتراز عنه .
قال الدّسوقيّ نقلًا عن البنانيّ: وهذا القيد نقله في التّوضيح ، والظّاهر اعتباره ، وفي كلام ابن الحاجب إشارة إليه لتعليله بالمشقّة ، كما ذكر خليل أنّ العفو إنّما هو لعسر الاحتراز ، وعلى هذا فلا يعفى عمّا أصاب الخفّ والنّعل من أرواث الدّوابّ بموضع لا تطرقه الدّوابّ كثيرًا ولو دلكًا .
وإن أصاب الخفّ أو النّعل شيء من النّجاسات غير أرواث الدّوابّ وأبوالها ، كخرء الكلاب أو فضلة الآدميّ أو دم ، فإنّه لا يعفى عنه ، ولا بدّ من غسله .
قال الحطّاب نقلًا عن ابن العربيّ: والعلّة ندور ذلك في الطّرقات ، فإن كثر ذلك فيها صار كروث الدّوابّ .
تطهير ما تصيبه النّجاسة من ملابس النّساء في الطّرق:
25 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تنجّس ذيل ثوب المرأة فإنّه يجب غسله كالبدن ، ولا يطهّره ما بعده من الأرض .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يعفى عمّا يصيب ذيل ثوب المرأة اليابس من النّجاسة إذا مرّت بعد الإصابة على موضع طاهر يابس ، سواء كان أرضًا أو غيره .
وقيّدوا هذا العفو بعدّة قيود هي:
أ - أن يكون الذّيل يابسًا وقد أطالته للسّتر ، لا للزّينة والخيلاء .
قال الدّسوقيّ: من المعلوم أنّه لا تطيله للسّتر إلاّ إذا كانت غير لابسة لخفّ أو جورب ، فعلى هذا لو كانت لابسةً لهما فلا عفو ، كان ذلك من زيّها أم لا .
ب - وأن تكون النّجاسة الّتي أصابت ذيل الثّوب مخفّفة جافّة ، فإن كانت رطبةً فإنّه يجب الغسل ، إلاّ أن يكون معفوًّا عنه كالطّين .
ج - وأن يكون الموضع الّذي تمرّ عليه بعد الإصابة طاهرًا يابسًا .
التّطهير من بول الغلام وبول الجارية:
26 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ التّطهير من بول الغلام وبول الجارية الصّغيرين أكلا أو لا ، يكون بغسله لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: » استنزهوا من البول « .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجزئ في التّطهير من بول الغلام الّذي لم يطعم الطّعام النّضح ، ويكون برشّ الماء على المكان المصاب وغمره به بلا سيلان ، فقد روت أمّ قيس بنت محصن رضي الله عنها: » أنّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطّعام إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأجلسه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجره ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء فنضحه ، ولم يغسله « .