أمّا بول الجارية الصّغيرة فلا يجزئ في تطهيره النّضح ، ولا بدّ فيه من الغسل ، لخبر التّرمذيّ: » ينضح بول الغلام ، ويغسل بول الجارية « ، وفرّق بينهما: بأنّ الائتلاف بحمل الصّبيّ يكثر ، فيخفّف في بوله ، وبأنّ بوله أرقّ من بولها ، فلا يلصق بالمحلّ كلصق بولها به .
قال أحمد: الصّبيّ إذا طعم الطّعام وأراده واشتهاه غسل بوله ، وليس إذا طعم ، لأنّه قد يلعق العسل ، وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه يوجب الغسل .
( ر: أنوثة ف 16 ) .
تطهير أواني الخمر:
27 -الأصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها ، بهذا قال الحنفيّة والمالكيّة في الصّحيح عندهم والشّافعيّة والشّيخ أبو الفرج المقدسيّ الحنبليّ فيما كان مزفّتًا من الآنية .
وفي هذا يقول الحنفيّة: تطهر بغسلها ثلاثًا بحيث لا تبقى فيها رائحة الخمر ولا أثرها ، فإن بقيت رائحتها لا يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخلّ ، لأنّه بجعله فيها تطهر وإن لم تغسل ، لأنّ ما فيها من الخمر يتخلّل بالخلّ .
وفي الخلاصة: الكوز إذا كان فيه خمر تطهيره أن يجعل فيه الماء ثلاث مرّات ، كلّ مرّة ساعةً ، وإن كان جديدًا عند أبي يوسف يطهر ، وعند محمّد لا يطهر أبدًا .
ويقول الشّافعيّة: تطهر بغسلها مرّةً واحدةً إذا زال أثر النّجاسة ، ويندب غسلها ثلاث مرّات، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: » إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثًا ، فإنّه لا يدري أين باتت يده « .
فندب إلى الثّلاث للشّكّ في النّجاسة ، فدلّ على أنّ ذلك يستحبّ إذا تيقّن ويجوز الاقتصار على الغسل مرّةً واحدةً .
والغسل الواجب في ذلك: أن يكاثر بالماء حتّى تستهلك النّجاسة .
وعند المالكيّة ، كما جاء في القوانين الفقهيّة: في طهارة الفخّار من نجس غوّاص كالخمر قولان ، قال الموّاق نقلًا عن النّوادر في أواني الخمر: تغسل وينتفع بها ، ولا تضرّها الرّائحة . وتطهر أوانيه إذا تحجّرت الخمر فيها أو خلّلت ، ويطهر إناؤها تبعًا لها ولو فخّارًا بغوّاص .
ويقول الحنابلة: إذا كان في الإناء خمر يتشرّبها الإناء ، ثمّ متى جعل فيه مائع ، سواء ظهر فيه طعم الخمر أو لونه ، لم يطهر بالغسل ، لأنّ الغسل لا يستأصل أجزاءه من جسم الإناء ، فلم يطهّره كالسّمسم إذا ابتلّ بالنّجاسة ، قال أبو الفرج المقدسيّ: آنية الخمر منها المزفّت ، فتطهر بالغسل ، لأنّ الزّفت يمنع وصول النّجاسة إلى جسم الإناء ، ومنها ما ليس بمزفّت ، فيتشرّب أجزاء النّجاسة ، فلا يطهر بالتّطهير ، فإنّه متى ترك فيه مائع ظهر فيه طعم الخمر ولونه .
تطهير آنية الكفّار وملابسهم:
28 -يقول الحنفيّة في آنية الكفّار: إنّها طاهرة لأنّ سؤرهم طاهر ، لأنّ المختلط به اللّعاب، وقد تولّد من لحم طاهر ، فيكون طاهرًا ، فقد روي: » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين « .
ولو كان عين المشرك نجسًا لما فعل ذلك: ولا يعارض بقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } لأنّ المراد به النّجس في العقيدة ، فمتى تنجّست أوانيهم فإنّه يجري عليها ما يجري على ما تنجّس من أواني المسلمين من غسل وغيره ، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا وثيابهم طاهرة ، ولا يكره منها إلاّ السّراويل المتّصلة بأبدانهم لاستحلالهم الخمر ، ولا يتّقونها كما لا يتوقّون النّجاسة والتّنزّه عنها ، فلو أمن ذلك بالنّسبة لها وكان التّأكّد من طهارتها قائمًا ، فإنّه يباح لبسها ، وإذا تنجّست جرى عليها ما يجري على تطهير ملابس المسلمين عندما تصيبها نجاسة ، سواء بالغسل أو غيره .
وكره الشّافعيّة استعمال أوانيهم وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشنيّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول اللّه إنّا بأرض أهل الكتاب ، ونأكل في آنيتهم فقال: » لا تأكلوا في آنيتهم إلاّ أن لا تجدوا بدًّا ، فإن لم تجدوا بدًّا فاغسلوها وكلوا فيها « . ولأنّهم لا يتجنّبون النّجاسة فكره لذلك .
فإن توضّأ من أوانيهم نظرت: فإن كانوا ممّن لا يتديّنون باستعمال النّجاسة صحّ الوضوء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم توضّأ من مزادة مشركة .
وتوضّأ عمر رضي الله عنه من جرّة نصرانيّ ، ولأنّ الأصل في أوانيهم الطّهارة .
وإن كانوا ممّن يتديّنون باستعمال النّجاسة ففيه وجهان:
أحدهما: أنّه يصحّ الوضوء لأنّ الأصل في أوانيهم الطّهارة ، والثّاني: لا يصحّ لأنّهم يتديّنون باستعمال النّجاسة كما يتديّن المسلمون بالماء الطّاهر ، فالظّاهر من أوانيهم وثيابهم النّجاسة .
وأجاز المالكيّة استعمال أوانيهم إلاّ إذا تيقّن عدم طهارتها ، وصرّح القرافيّ في الفروق بأنّ جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الّذين لا يصلّون ولا يستنجون ولا يتحرّزون من النّجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطّهارة ، وإن كان الغالب عليه النّجاسة ، فإذا تنجّست أوانيهم فإنّها تطهر بزوال تلك النّجاسة بالغسل بالماء أو بغيره ممّا له صفة الطّهوريّة .
وكذلك الحال بالنّسبة لملابسهم ، فإنّ الأصل فيها الطّهارة ما لم يصبها النّجس ، ولذا لا يصلّى في ملابسهم أي ما يلبسونه ، لأنّ الغالب نجاستها ، فحمل عليها عند الشّكّ ، أمّا إن علمت أو ظنّت طهارتها فإنّه يجوز أن يصلّى فيها .