لكنّ الرّمل ظلّ سنّةً في الأشواط الثّلاثة الأولى بتمامها ، فقد فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حجّته ، وكانت بعد فتح مكّة ودخول النّاس في دين اللّه أفواجًا ، كما سبق في حديث جابر: » فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا « .
وسار على ذلك الصّحابة أبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده صلى الله عليه وسلم . ثمّ الرّمل كالاضطباع سنّة في حقّ الرّجال ، أمّا النّساء فلا يسنّ لهنّ رمل ولا اضطباع . واستثنى الحنابلة من سنّيّة الرّمل أهل مكّة ومن أحرم منها أيضًا ، فلا يسنّ لهم الرّمل عندهم .
ج - ابتداء الطّواف من جهة الرّكن اليمانيّ:
30 -يسنّ أن يبدأ الطّواف قريبًا من الحجر الأسود من جهة الرّكن اليمانيّ ، ثمّ يستقبل الحجر مهلّلًا رافعًا يديه ، وذلك ليتحقّق ابتداء الطّواف من الحجر الأسود ، وهو واجب . لكنّ المرور بجميع البدن على الحجر الأسود ليس واجبًا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو واجب عند الشّافعيّة والحنابلة ، لذلك صرّح المحقّقون في المذهب الحنفيّ باستحباب هذه الكيفيّة خروجًا من الخلاف ، فلوا استقبل الحجر مطلقًا ونوى الطّواف كفى في حصول المقصود الّذي هو الابتداء من الحجر عند الحنفيّة والمالكيّة .
قال الحطّاب: يستقبل الحجر بجميع بدنه وتكون يده اليسرى محاذيةً ليمين الحجر ثمّ يقبّله ويمشي على جهة يده اليمنى .
د - استقبال الحجر عند ابتداء الطّواف:
31 -استقبال الحجر عند ابتداء الطّواف ، ورفع اليدين عند التّكبير مقابلة الحجر ، نصّ على هذه السّنّة الحنفيّة .
هـ - استلام الحجر وتقبيله:
32 -استلام الحجر وتقبيله في ابتداء الطّواف وفي كلّ شوط ، وبعد ركعتي الطّواف ، ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء ، لكنّ المالكيّة قيّدوا السّنّيّة بأوّل الطّواف وجعلوا ذلك مستحبًّا في باقيه ، واستحبّ الحنفيّة تقبيل الحجر .
وصفة الاستلام: أن يضع كفّيه على الحجر ، ويضع فمه بين كفّيه ويقبّله .
عن ابن عمر: أنّ عمر رضي الله عنه قبّل الحجر وقال: إنّي لأعلم أنّك حجر ، ولولا أنّي رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك .
وأخرج أبو داود والنّسائيّ عن ابن عمر قال: » كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الرّكن اليمانيّ والحجر في كلّ طوفة « وكان ابن عمر يفعله .
و - استلام الرّكن اليمانيّ:
33 -استلامه يكون بوضع اليدين عليه ، وهو الرّكن الواقع قبل ركن الحجر الأسود .
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما تركت استلام هذين الرّكنين: اليمانيّ والحجر ، مذ رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يستلمهما ، في شدّة ولا رخاء .
والسّنّيّة مذهب الجمهور ، وقول محمّد من الحنفيّة ، لكنّه عند المالكيّة سنّة في الشّوط الأوّل مندوب في غيره ، وقال الشّيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف: هو مندوب .
وذهب الفقهاء إلى أنّه لا يقبّله ولا يسجد عليه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يقبّل ما استلم به الرّكن اليمانيّ ولا يشير إليه .
وعند الشّافعيّة يقبّل ما استلم به الرّكن اليمانيّ ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه ، وعند المالكيّة يضع يده على فمه من غير تقبيل .
أمّا غير هذين الرّكنين فلا يسنّ استلامه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يستلم هذين الرّكنين ولا يستلم غيرهما ، عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال: » لم أر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلاّ الرّكنين اليمانيّين « .
وقد أبدى العلماء لذلك التّفاوت بين أركان البيت سببًا وضّحه الرّمليّ فقال: والسّبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أنّ الرّكن الّذي فيه الحجر الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه ، وكونه على قواعد سيّدنا إبراهيم ، واليمانيّ فيه فضيلة واحدة: وهي كونه على قواعد أبينا إبراهيم ، وأمّا الشّاميّان فليس لهما شيء من الفضيلتين .
ز - الدّعاء:
34 -وهو مخيّر فيه غير محدود عند المالكيّة ، وصرّح الشّافعيّة بأنّه يسنّ في أوّل الطّواف ، وفي كلّ طوفة الدّعاء بالمأثور وهو:"بسم اللّه واللّه أكبر ، اللّهمّ إيمانًا بك ، وتصديقًا بكتابك ، ووفاءً بعهدك ، واتّباعًا لسنّة نبيّك محمّد صلى الله عليه وسلم"والدّعاء المأثور في بقيّة جوانب البيت وهو مندوب ، ومنه:
الدّعاء عند رؤية الكعبة:
35 -اللّهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابةً ، وزد من شرّفه وكرّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وبرًّا .
اللّهمّ أنت السّلام ، ومنك السّلام ، فحيّنا ربّنا بالسّلام .
دعاء افتتاح الطّواف واستلام الحجر الأسود أو المرور به:
36 -بسم اللّه واللّه أكبر ، اللّهمّ إيمانًا بك ، وتصديقًا بكتابك ، ووفاءً بعهدك واتّباعًا لسنّة نبيّك صلى الله عليه وسلم . وحكمه كما سبق .
والمعنى: أطوف باسم اللّه ، وأطوف اللّهمّ إيمانًا بك .
الدّعاء في الأشواط الثّلاثة الأولى:
37 -اللّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا ، وسعيًا مشكورًا ، وذنبًا مغفورًا ، اللّهمّ لا إله إلاّ أنت وأنت تحيي بعدما أمتّ .
وإذا كان يؤدّي عمرةً دعا فقال: اجعلها عمرةً مبرورةً ، وإن كان طوافًا نفلًا دعا: اجعله طوافًا مبرورًا أي مقبولًا وسعيًا مشكورًا - وسعي الرّجل عمله - كما قال تعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى } .
الدّعاء في الأشواط الأربعة الباقية:
38 -اللّهمّ اغفر وارحم ، واعف عمّا تعلم ، وأنت الأعزّ الأكرم .
الدّعاء عند الرّكن اليمانيّ: