7 -الأصل عند جمهور الفقهاء عدم التّفرقة بين الفساد والبطلان ، ومع ذلك فإنّهم فرّقوا بينهما في بعض المسائل:
فالمالكيّة فرّقوا بين الفساد والبطلان في عقد القراض والمساقاة .
والشّافعيّة فرّقوا بينهما في عقود ذكرها الزّركشيّ فقال: الفاسد والباطل سواء في الحكم عندنا ، واستثنى النّوويّ: الحجّ والخلع والكتابة والعاريّة .
وعند الحنابلة يأتي التّفريق بين الفساد والبطلان في الوكالة والإجارة والشّركة والمضاربة والحجّ وغير ذلك .
قال ابن اللّحّام الحنبليّ: البطلان والفساد عندنا مترادفان ... ثمّ قال: إذا تقرّر هذا فذكر أصحابنا مسائل فرّقوا فيها بين الفاسد والباطل ثمّ ذكر أمثلةً كثيرةً للمسائل الّتي فرّقوا فيها بين الباطل والفاسد .
والتّفصيل في الملحق الأصوليّ .
ما يتعلّق بالفساد من أحكام:
8 -يتعلّق بالفساد أحكام أوردها الفقهاء في صورة قواعد فقهيّة أو أحكام للمسائل الفقهيّة ، منها:
أوّلًا: فساد المتضمِّن يوجب فساد المتضمَّن:
9 -هذه القاعدة من القواعد الّتي ذكرها الحنفيّة في كتبهم ، وعبّر عنها ابن نجيم بلفظ آخر هو:"المبنيّ على الفاسد فاسد"ووضّحوا هذه القاعدة فقالوا: يجوز بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها ، ويجب قطعها للحال ، فإن استأجر الشّجر إلى وقت الإدراك بطلت الإجارة ، لأنّه لا تعامل في إجارة الأشجار المجرّدة ، فلا يجوز ، وطابت له الزّيادة - وهي ما زاد في ذات المبيع - وذلك لبقاء الإذن .
ولو استأجر الأرض إلى أن يدرك الزّرع - أي إلى وقت إدراكه - فسدت الإجارة لجهالة المدّة ، ولم تطب الزّيادة لفساد الإذن بفساد الإجارة ، وفساد المتضمِّن يوجب فساد المتضمَّن ، بخلاف الباطل ، فإنّه معدوم شرعًا أصلًا ووصفًا فلا يتضمّن شيئًا ، فكانت مباشرته عبارةً عن الإذن .
وحاصل الفرق أنّ الفاسد له وجود ، لأنّه فائت الوصف دون الأصل ، فكان الإذن ثابتًا في ضمنه ، فيفسد ، أمّا الباطل فلا وجود له أصلًا ، فلم يوجد إلاّ الإذن .
وفي حاشية الشّلبيّ على الزّيلعيّ: الفرق بين الإذن الثّابت في ضمن الإجارة الباطلة وبينه في ضمن الإجارة الفاسدة: أنّ الإذن في الإجارة الباطلة صار أصلًا مقصودًا بنفسه ، لأنّ الباطل لا وجود له ، والمعدوم لا يصلح أن يكون متضمّنًا ، وليس كذلك الإجارة الفاسدة ، لأنّ الفاسد ليس معدومًا بأصله ، صحّ أن يكون متضمّنًا ، فإذا فسد المتضمِّن فسد المتضمَّن .
والحكم عند جمهور الفقهاء يظهر في العقود الّتي يفرّقون فيها بين الباطل والفاسد ، كالعقود المتضمّنة للإذن ، مثل الشّركة ، والمضاربة ، والوكالة ، فهذه العقود لا يمنع فسادها صحّة تصرّف المأذون لبقاء الإذن .
ففي كتب الشّافعيّة: الفاسد من العقود المتضمّنة للإذن إذا صدرت من المأذون صحّت ، كما في الوكالة المعلّقة إذا أفسدناها فتصرّف الوكيل ، صحّ لوجود الإذن ، وطرده الإمام في سائر صور الفساد .
وفي القواعد لابن رجب الحنبليّ: العقود الجائزة كالشّركة والمضاربة والوكالة لا يمنع فسادها نفوذ التّصرّف فيها بالإذن .
ويقول ابن قدامة: إذا تصرّف العامل في المضاربة الفاسدة نفذ تصرّفه لأنّه أذن له فيه ، فإذا بطل العقد بقي الإذن ، فملك به التّصرّف .
وقواعد المالكيّة لا تأبى ذلك .
ثانيًا: الملك:
10 -التّصرّف الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض باتّفاق الفقهاء .
أمّا بعد القبض ، فلا يفيد الملك كذلك عند الشّافعيّة والحنابلة .
يقول الزّركشيّ: الفاسد لا يملك فيه شيء ، ويلزمه الرّدّ ومؤنته ، وليس له حبسه لقبض البدل ، ولا يرجع بما أنفق إن علم الفساد ، وكذا إن جهل في الأصحّ .
ويستثنى صورتان:
إحداهما: الكتابة الفاسدة فإنّ المكاتب يملك فيها أكسابه .
الثّانية: إذا صالحنا كافرًا بمال على دخول الحرم ، فدخل وأقام ، فإنّا نملك المال المأخوذ منه .
ويقول ابن قدامة: إن حكمنا بفساد العقد لم يحصل به ملك ، سواء اتّصل به القبض أو لم يتّصل ، ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه ببيع ولا هبة ولا عتق ولا غيره .
أمّا الحنفيّة فإنّ التّصرّف الفاسد يفيد الملك عندهم بالقبض المأذون فيه ، ويملك القابض التّصرّف فيه ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك .
ومع ذلك فهو ملك غير لازم ، لأنّه مستحقّ للفسخ رفعًا للفساد ، ولذلك فهو مضمون .
وفي جامع الفصولين: الأصل في العقد الفاسد أنّ كلّ ما يملك ببيع جائز يملك بفاسد ، فلو شرى قنًّا بخمر - وهما مسلمان - ملك القنّ مشتريه بقبضه بإذن ، ولا يملك البائع الخمر . والهبة الفاسدة تفيد الملك بالقبض ، وبه يفتى ، وهي مضمونة .
والمقبوض بالقسمة الفاسدة يثبت الملك فيه وينفذ التّصرّف ، كالمقبوض بالشّراء الفاسد . وعند المالكيّة يتقرّر الملك في المقبوض بعقد فاسد بالفوات .
يقول ابن رشد: البيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرّمة وإلى مكروهة ، فأمّا المحرّمة فإنّها إذا فاتت مضت بالقيمة ، وأمّا المكروهة فإنّها إذا فاتت صحّت عنده ، وربّما صحّ عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض ، لخفّة الكراهة عنده في ذلك .
ثالثًا: الضّمان:
11 -يرى جمهور الفقهاء أنّ التّصرّفات الفاسدة تردّ إلى حكم صحيحها بالنّسبة للضّمان وعدمه ، فإن اقتضى التّصرّف الصّحيح الضّمان ففاسده كذلك ، وإن اقتضى عدم الضّمان ففاسده كذلك .
وللحنفيّة قاعدة شبيهة بما عند جمهور الفقهاء ، وهي: الأصل أنّ كلّ ما قبض بجهة التّملّك ضمن ، وكلّ ما قبض لا بجهة التّملّك لم يضمن .
والتّفصيل في مصطلح: ( ضمان ف 35 ، وما بعدها ) .
رابعًا: سقوط المسمّى في التّصرّفات الفاسدة: