12 -الواجب في التّصرّفات الصّحيحة الّتي يكون فيها تسمية نحو الأجر أو الرّبح أو المهر ، هو المسمّى ، فإذا فسدت هذه التّصرّفات ، فإنّ المسمّى يسقط ، ويختلف الفقهاء فيما يجب إذا سقط المسمّى ، ومن ذلك:
أ - الإجارة:
13 -إذا فسدت الإجارة واستوفى المستأجر المنفعة ، فعند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة يجب أجر المثل بالغًا ما بلغ ، أي ولو زاد على المسمّى .
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد يجب أجر المثل ، بشرط أن لا يزيد عن المسمّى إذا كان في العقد تسمية ، فإذا لم يكن في العقد تسمية وجب أجر المثل بالغًا ما بلغ .
والتّفصيل في: ( إجارة ف 43 - 44 ) .
ب - المضاربة:
14 -الواجب في المضاربة الصّحيحة هو الرّبح المسمّى للمضارب ، فإذا فسدت المضاربة فلا يستحقّ المضارب الرّبح المسمّى ، لأنّها تسمية لم تصحّ ، وإنّما يكون له أجرة مثل عمله إذا عمل ، ويكون الرّبح جميعه لربّ المال ، لأنّه نماء ملكه .
والمضارب يستحقّ أجرة المثل بالغةً ما بلغت ، سواء أربحت المضاربة أم لم تربح ، لأنّه عمل طامعًا في المسمّى ، فإذا فات ، وجب ردّ عمله عليه وهو متعذّر ، فتجب قيمته وهي الأجرة .
وهذا عند الحنفيّة غير أبي يوسف ، والشّافعيّة ، والحنابلة غير الشّريف أبي جعفر .
وأمّا المالكيّة فإنّهم جعلوا للمضارب قراض المثل في مسائل معدودة ، وأجرة المثل فيما عداهما ، ولهم في ذلك ضابط ، هو: كلّ مسألة خرجت عن حقيقة القراض من أصلها ففيها أجرة المثل ، وأمّا إن شملها القراض ، لكن اختلّ منها شرط ، ففيها قراض المثل .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ( مضاربة ) .
ج - النّكاح:
15 -المهر يسقط في النّكاح الفاسد - سواء اتّفق على فساده أم لا - إذا حصل التّفريق قبل الدّخول عند جمهور الفقهاء ، وقبل الخلوة فيما اختلف فيه عند الحنابلة .
هذا مع استثناء بعض المسائل الّتي يثبت فيها نصف المهر قبل الدّخول ، كما إذا ادّعى الزّوج قبل الدّخول رضاعًا محرّمًا بلا بيّنة ، وكذّبته الزّوجة ، فإنّه يفسخ النّكاح وعليه نصف الصّداق كما يقول المالكيّة والحنابلة .
ويتّفق الفقهاء على وجوب المهر في النّكاح الفاسد بالدّخول ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها » .
فقد جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها المهر فيما له حكم النّكاح الفاسد ، وعلّقه بالدّخول ، فدلّ على أنّ وجوبه متعلّق به .
واختلف الفقهاء في الواجب من المهر ، هل هو المسمّى أو مهر المثل أو الأقلّ منهما ؟ فعند الشّافعيّة وزفر من الحنفيّة لها مهر المثل .
وعند الحنفيّة - غير زفر - لها الأقلّ من مهر مثلها ومن المسمّى .
وعند المالكيّة لها المسمّى ، وإن لم يكن مسمّىً كنكاح الشّغار فلها مهر المثل .
وعند الحنابلة لها المسمّى في الفاسد - وهو ما اختلف فيه - ولها مهر المثل في الباطل - وهو ما اتّفق على فساده - .
وينظر تفصيل ذلك في: ( مهر - نكاح ) .
خامسًا: الفساد في الأشياء المادّيّة:
16 -يرد الفساد في الأشياء المادّيّة كعطب الأطعمة ، ويذكر الفقهاء ذلك في بعض أبواب الفقه من حيث إيراد العقد عليها ، كما في الرّهن ، أو من حيث التقاطها ، أو من حيث اعتبارها عيبًا في المبيع يوجب الرّدّ بالعيب .
وبيان ذلك فيما يلي:
أ - رهن ما يسرع إليه الفساد:
17 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ رهن ما يسرع إليه الفساد ، لكنّ الشّافعيّة قالوا: يصحّ رهن ما يسرع إليه الفساد إن أمكن تجفيفه ، كرطب وعنب يتجفّفان ، فإن كان لا يمكن تجفيفه ولكن رهن بدين حالّ أو مؤجّل لكنّه يحلّ قبل الفساد ولو احتمالًا جاز .
أمّا إذا لم يمكن تجفيفه ورهن بمؤجّل يحلّ بعد فساده أو معه ، لم يجز إلاّ إن شرط أن يبيعه عند خوف فساده ، وأن يكون ثمنه رهنًا .
ولو رهن ما لا يسرع إليه الفساد فحدث قبل الأجل ما عرّضه للفساد - كحنطة ابتلت وتعذّر تجفيفها - لم ينفسخ الرّهن ، بل يباع وجوبًا ويجعل ثمنه رهنًا .
وقال الحنابلة: يصحّ رهن ما يسرع إليه الفساد ، سواء كان ممّا يمكن إصلاحه ، بالتّجفيف كالعنب والرّطب ، أو لا يمكن تجفيفه كالبطّيخ والطّبيخ .
ثمّ إن كان ممّا يجفّف ، فعلى الرّاهن تجفيفه ، لأنّه من مؤنة حفظه وتبقيته ، فيلزم الرّاهن كنفقة الحيوان ، وإن كان ممّا لا يجفّف ، فإنّه يباع ويقضى الدّين من ثمنه إن كان حالًا ، أو يحلّ قبل فساده ، فإن كان الدّين لا يحلّ قبل فساده ، جعل ثمنه رهنًا مكانه ، سواء شرط في الرّهن بيعه أو أطلق ، لأنّ العرف يقتضي ذلك ، لأنّ المالك لا يعرّض ملكه للتّلف والهلاك ، فإذا تعيّن حفظه في بيعه حمل عليه مطلق العقد ، كتجفيف ما يجفّ ، وأمّا إذا شرط أن لا يباع فلا يصحّ ، لأنّه شرط ما يتضمّن فساده وفوات المقصود ، فأشبه ما لو شرط أن لا يجفّف ما يجفّ .
وفي وجه ذكره القاضي أنّ الرّاهن لو أطلق لا يصحّ .