قال الحنفيّة: لو شدّها - يعني السّنّ - بالفضّة ، لا يكره بالإجماع ، وكذلك نصّ المالكيّة على جواز اتّخاذ الأنف والسّنّ من ذهب أو فضّة ، أو ربط سنّ تخلخل بشريط مطلقًا بذهب أو فضّة .
وقال المحلّيّ من الشّافعيّة: وقيس على الأنف الأنملة والسّنّ ، وتجويز الثّلاثة من الفضّة أولى .
ويقول النّوويّ: شدّ السّنّ العليلة بذهب أو فضّة جائز ، ويباح أيضًا الأنملة منهما ، وفي جواز الأصبع واليد منهما وجهان .
والحنابلة أباحوا اتّخاذ السّنّ وحلية السّيف والكثير من الأشياء من الفضّة ، فمن باب أولى يكون حكم اتّخاذ الأنف وغيرها ممّا يحتاج إليه في الجراحات ، من الفضّة .
و - تزيين أدوات الجهاد ونحوها بالفضّة:
8 -ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تزيين أدوات الجهاد ونحوها بالفضّة ، وإلى جواز تزيين المصحف بها .
واستدلّوا بما قاله أنس رضي الله عنه: « كانت قبيعة سيف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فضّةً » والقبيعة ما كان على رأس قائم السّيف وطرف مقبضه ، وما رواه هشام بن عروة قال: كان سيف زبير رضي الله عنه محلّىً فضّةً .
وقال الكاسانيّ: أمّا السّيف المضبّب والسّكّين فلا بأس به بالإجماع ، وكذلك المنطقة المضبّبة ، لورود الآثار بالرّخصة بذلك في السّلاح .
أمّا المالكيّة فقصروا إباحة التّزيين بالفضّة - وكذا بالذّهب - على المصحف والسّيف ، وكذلك اتّخاذ الأنف منها ، أو ربط السّنّ بها .
ز - الضّبّة من الفضّة والتّطعيم بها:
9 -اختلف العلماء في حكم الضّبّة من الفضّة في الإناء .
والأصل في هذا الخلاف ما رواه الدّارقطنيّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من شرب من إناء ذهب أو فضّة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم » .
فأبو حنيفة يرى أنّ الإناء المضبّب بالذّهب لا بأس بالأكل والشّرب فيه ، وبالأولى يجوز ذلك في المضبّب بالفضّة لأنّها أخفّ حرمةً من الذّهب .
واشترط المرغينانيّ لذلك شرطًا ، وهو أن يتّقي موضع الفم ، وألحق بذلك الرّكوب على السّرج المفضّض ، واشترط عدم المباشرة للضّبّة من الفضّة .
وعند المالكيّة في المضبّب قولان: الحرمة والجواز ، إمّا مطلقًا أو مع الكراهة ، ورجّح الدّردير والدّسوقيّ والحطّاب وابن الحاجب الحرمة .
ومذهب الشّافعيّة - كما ذكره النّوويّ في المنهاج - أنّ المضبّب من الإناء بفضّة ضبّةً كبيرةً لزينة يحرم استعماله ، وما ضبّب بفضّة ضبّةً صغيرةً بقدر الحاجة فلا يحرم ، وإن ضبّب بفضّة ضبّةً صغيرةً لزينة ، أو كبيرةً لحاجة ، جاز في الأصحّ مع الكراهة نظرًا للصّغر والحاجة ، وضبّة موضع الاستعمال نحو الشّرب كغيره فيما ذكر في الأصحّ ، والقول الثّاني أنّه يحرم إناؤها مطلقًا لمباشرتها بالاستعمال .
وفي ضابط القلّة والكثرة عندهم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه الّذي يستوعب جزءًا من أجزاء الإناء بكماله ، والآخر: العرف ، والثّالث: أنّ الكثير ما يلمع للنّاظر على بعد ، والقليل خلافه .
واختار الرّافعيّ الثّاني ، وإمام الحرمين والغزاليّ الثّالث .
وجملة ما ذكره الحنابلة أنّ الضّبّة تباح بثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون يسيرةً ، والثّاني: أن تكون من الفضّة ، والثّالث: أن تكون للحاجة أي لمصلحة وانتفاع ، مثل أن تجعل على شقّ أو صدع وإن قام غيرها مقامها ، وقال القاضي أبو يعلى ليس هذا بشرط ، ويجوز اليسير من غير حاجة إذا لم يباشر الاستعمال .
وكره أحمد أن يباشر موضع الضّبّة بالاستعمال ، فلا يشرب من موضع الضّبّة ، لأنّه يصير كالشّارب من إناء فضّة ، وكره الحلقة من الفضّة ، لأنّ القدح يرفع بها ، فيباشرها بالاستعمال ، وكذا ما أشبهه .
ح - الإناء المموّه بفضّة وعكسه:
10 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ الأواني المموّهة بماء الفضّة إذا كان لا يخلص منه شيء فلا بأس بالانتفاع بها في الأكل والشّرب وغير ذلك ، وما يخلص منه شيء لا يحرم عند أبي حنيفة أيضًا ، ويكره عند أبي يوسف ومحمّد في الأشهر عنه ، كالمضبّب .
وللمالكيّة قولان في المموّه ، كالقولين في المضبّب ، وهما التّحريم والكراهة ، أو المنع والجواز .
واستظهر بعضهم الجواز نظرًا لقوّة الباطن .
والشّافعيّة يرون جواز استعمال المموّه بالفضّة في الأصحّ ، لقلّة المموّه به ، فكأنّه معدوم . والقول الثّاني المقابل للأصحّ ، أنّه يحرم للخيلاء وكسر قلوب الفقراء .
فإن كثر المموّه بحيث يحصل منه شيء بالعرض على النّار حرم جزمًا ، وإن كان لا يحصل منه شيء ، فلا يحرم .
قال الشّافعيّة: ولو اتّخذ إناءً من الفضّة - أو الذّهب - وموّهه بنحاس ونحوه ، فإن حصل منه شيء بالعرض على النّار حلّ استدامته ، وإلاّ فلا .
ومحلّ ما ذكر بالنّسبة لاستدامته ، أمّا الفعل ، فحرام مطلقًا ، ولو على سقف أو جدار أو على الكعبة .
ومذهب الحنابلة أنّه يحرم اتّخاذ الإناء ونحوه ، إذا كان مموّهًا بذهب أو فضّة ، وكذا المطعّم والمطليّ والمكفّت .
ط - المسح على الخفّ من فضّة:
11 -المسح على الخفّين المتّخذين من الفضّة - وكذا الذّهب - لا يجوز عند جمهور الفقهاء .
أمّا عند الحنفيّة والحنابلة ، فلعدم إمكان متابعة المشي فيهما .
وأمّا عند المالكيّة فلعدم كونهما متّخذين من الجلد .
والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه يكفي المسح على الخفّ من الفضّة للرّجل وغيره .