11 -الأصل أنّه لا يدفن أكثر من ميّت في القبر الواحد لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدفن كلّ ميّت في قبر ، وعلى هذا استمرّ فعل الصّحابة ومن بعدهم ، إلاّ للضّرورة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد: « ادفنوا الاثنين والثّلاثة في قبر واحد » .
واختلف الفقهاء في حكم دفن أكثر من ميّت في القبر لغير الضّرورة:
فذهب الحنفيّة والمالكيّة وبعض الشّافعيّة إلى الكراهة .
وذهب الحنابلة وبعض الشّافعيّة إلى الحرمة .
قال القليوبيّ: الكراهة هو ما مشى عليه شيخ الإسلام وغيره واعتمده بعض شيوخنا ، واعتمد شيخنا الزّياديّ وشيخنا الرّمليّ أنّه حرام ولو مع اتّحاد الجنس أو المحرميّة أو الصّغر ، ولو دفن لم ينبش .
وقد سبق كيفيّة وضعهم في القبر الواحد في مصطلح: ( دفن ف 14 ) .
ز - تسنيم القبر وتسطيحه:
12 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ تسنيم القبر - أي جعل التّراب مرتفعًا عليه كسنام الجمل - مندوب ، لما ورد عن سفيان التّمّار: « أنّه رأى قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم مسنّمًا » .
قال المالكيّة والحنابلة: يرفع قدر شبر .
وقال الحنفيّة: قدر شبر أو أكثر شيئًا قليلًا .
وقال البهوتيّ: ليعرف أنّه قبر فيتوقّى ، ويترحّم على صاحبه ، وقد روي عن جابر: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر » ، وعن القاسم بن محمّد قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمّاه ، اكشفي لي عن قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور ، لا مشرفة ولا لاطئة ، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء .
قال المالكيّة: وإن زيد على التّسنيم أي من حيث كثرة التّراب بحيث يكون جرمًا مسنّمًا عظيمًا فلا بأس به .
وصرّح الحنابلة بكراهة رفعه فوق شبر لحديث أبي الهيّاج الأسديّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أن لا تدع تمثالًا إلاّ طمسته ، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته » .
قالوا: والمشرف ما رفع كثيرًا ، بدليل ما سبق عن القاسم بن محمّد"لا مشرفة ولا لاطئة"وعند المالكيّة قول ضعيف بكراهة التّسنيم وندب التّسطيح ، أي يجعل عليه سطح كالمصطبة ولكن لا يسوّى ذلك السّطح بالأرض بل يرفع كشبر ، وقيل يرفع قليلًا بقدر ما يعرف . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ تسطيح القبر أفضل من تسنيمه .
13 -ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا مات المسلم في بلاد الكفّار فلا يرفع قبره بل يخفى لئلاّ يتعرّضوا له .
قال البهوتيّ: تسوية قبر المسلم بالأرض وإخفاؤه بدار الحرب أولى من إظهاره وتسنيمه ، خوفًا من أن ينبش فيمثّل به .
ح - تطيين القبر وتجصيصه والبناء عليه:
14 -صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّه يسنّ أن يرشّ على القبر بعد الدّفن ماء ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بقبر سعد بن معاذ ، وأمر به في قبر عثمان بن مظعون .
وزاد الشّافعيّة والحنابلة: أن يوضع عليه حصىً صغار ، لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رشّ على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء » ، ولأنّ ذلك أثبت له وأبعد لدروسه ، وأمنع لترابه من أن تذهبه الرّياح .
قال الشّافعيّة: ويحرم رشّه بالماء النّجس ، ويكره بماء الورد .
15 -واختلف الفقهاء في تطيين القبر:
فذهب الحنفيّة - في المختار - والحنابلة إلى جواز تطيين القبر ، ونقل التّرمذيّ عن الشّافعيّ أنّه لا بأس بالتّطيين .
قال النّوويّ: ولم يذكر ذلك جماهير الأصحاب .
ودليل الجواز قول القاسم بن محمّد في وصف قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه"مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء".
وذهب المالكيّة وإمام الحرمين والغزاليّ من الشّافعيّة إلى كراهة تطيين القبر .
قال الدّسوقيّ: أكثر عباراتهم في تطيينه من فوق ، ونقل ابن عاشر عن شيخه أنّه يشمل تطيينه ظاهرًا وباطنًا .
16 -واتّفق الفقهاء على كراهة تجصيص القبر ، لما روى جابر رضي الله تعالى عنه: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه » .
قال المحلّيّ: التّجصيص التّبييض بالجصّ وهو الجير .
قال عميرة: وحكمة النّهي التّزيين ، وزاد إضاعة المال على غير غرض شرعيّ .
17 -وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة البناء على القبر في الجملة ، لحديث جابر: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر وأن يبنى عليه » . وسواء في البناء بناء قبّة أم بيت أم غيرهما .
وقال الحنفيّة: يحرم لو للزّينة ، ويكره لو للإحكام بعد الدّفن .
وفي الإمداد من كتب الحنفيّة: واليوم اعتادوا التّسنيم باللّبن صيانةً للقبر عن النّبش ورأوا ذلك حسنًا ، وقال عبد اللّه بن مسعود: ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند اللّه حسن . ونصّ المالكيّة والشّافعيّة على حرمة البناء في المقبرة المسبّلة ووجوب هدمه .
قال المالكيّة: إلاّ إذا كان يسيرًا للتّمييز .
كما صرّح المالكيّة بحرمة تحويز القبر - بأن يبنى حوله حيطان تحدق به - ووجوب هدم ذلك فيما إذا بوهي بالبناء ، أو صار مأوىً لأهل الفساد ، أو في ملك الغير بغير إذنه ، قال الدّسوقيّ: البناء على القبر أو حوله في الأراضي الثّلاثة - وهي المملوكة له ولغيره بإذن والموات - حرام عند قصد المباهاة وجائز عند قصد التّمييز وإن خلا عن ذلك كره .
وعن أحمد روايتان في البناء في المقبرة المسبّلة: