آدَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ: 15 - يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ تَعَالَى , وَيَقْرَأُ عَلَى حَالِ مَنْ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى , فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَاهُ , وَيَنْبَغِي إذَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ أَنْ يُنَظِّفَ فَاهُ بِالسِّوَاكِ وَغَيْرِهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ وَإِنْ قَرَأَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ دُونَ مَسِّ الْمُصْحَفِ جَازَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَالْجُنُبُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ , مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقْرَأُ الْجُنُبُ وِرْدَهُ , وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ . وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِجَنَابَةٍ قَبْلَ الْحَيْضِ , إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْهَا دَمُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمُسْتَحَاضَةٍ , فَإِنَّهَا لَا تَقْرَأُ إنْ كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِجَنَابَةٍ . ( ر: حَيْضٌ ف 39 ) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي مَكَان نَظِيفٍ مُخْتَارٍ , وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الْمَسْجِدِ , لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلنَّظَافَةِ وَشَرَفِ الْبُقْعَةِ , وَمُحَصِّلًا لِفَضِيلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الِاعْتِكَافُ . وَلِلتَّفْصِيلِ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ( ر: قِرَاءَةٌ ) . وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ , وَيَجْلِسَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ , وَيَكُونَ جُلُوسُهُ وَحْدَهُ فِي تَحْسِينِ أَدَبِهِ وَخُضُوعِهِ كَجُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهِ , فَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ , وَلَوْ قَرَأَ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ فِي فِرَاشِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ جَازَ وَلَهُ أَجْرٌ , وَلَكِنْ دُونَ الْأَوَّلِ . وَلِلتَّفْصِيلِ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي تَجُوزُ أَوْ تُكْرَهُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ( ر: قِرَاءَةٌ ) . وَإِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْقِرَاءَةِ اسْتَعَاذَ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ , هَكَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَإِنْ قَطَعَهَا قَطْعَ تَرْكٍ وَأَرَادَ الْعَوْدَ جَدَّدَ , وَإِنْ قَطَعَهَا لِعُذْرٍ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ كَفَّاهُ التَّعَوُّذُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ . وَلِلتَّفْصِيلِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْقِرَاءَةِ ( ر: اسْتِعَاذَةٌ ف 7 وَتِلَاوَةٌ ف 6 ) . وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى سُورَةِ"بَرَاءَةٌ", ( ر: تِلَاوَةٌ ف 7 ) . وَلِلتَّفْصِيلِ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ يُنْظَرُ ( بَسْمَلَةٌ ف 2 ) . فَإِذَا شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الْخُشُوعَ وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ , فَهُوَ الْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ , وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ , ( ر: تِلَاوَةٌ ف 10 ) . وَيُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ , وَالتَّبَاكِي لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ , وَالْحُزْنُ وَالْخُشُوعُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ } , وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِي حَدِيثِهِ: { فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ } , وَطَرِيقُهُ فِي تَحْصِيلِ الْبُكَاءِ أَنْ يَحْضُرَ فِي قَلْبِهِ الْحُزْنُ بِأَنْ يَتَأَمَّلَ مَا فِيهِ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ , ثُمَّ يَتَأَمَّلَ تَقْصِيرَهُ فِي ذَلِكَ , فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وَبُكَاءٌ كَمَا يَحْضُرُ الْخَوَاصَّ فَلْيَبْكِ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ . وَيُسَنُّ التَّرْتِيلُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } . ( ر: تِلَاوَةٌ ف 9 ) . وَمِمَّا يُعْتَنَى بِهِ وَيَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ بِهِ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ مِنْ أُمُورٍ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِيهَا بَعْضُ الْغَافِلِينَ الْقَارِئِينَ مُجْتَمِعِينَ , فَمِنْ ذَلِكَ اجْتِنَابُ الضَّحِكِ وَاللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ فِي خِلَالِ الْقِرَاءَةِ إلَّا كَلَامًا يُضْطَرُّ إلَيْهِ , وَمِنْ ذَلِكَ الْعَبَثُ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , فَلَا يَعْبَثُ بَيْنَ يَدَيْهِ . وَمِنْ ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى مَا يُلْهِي وَيُبَدِّدُ الذِّهْنَ .