إذا طاف المحرم للزيارة ثم جامع قبل الحلق وجب عليه دم لوجود الجناية في الإحرام لأنه لا يتحلل ألا بالحلق، وإن كان قارنا يجب عليه دمان ، ولا فرق بين أن يكون الواطىء عامدا أو ناسيا، طائعا أو مكرها وإن كان المحرم قارنا فسد حجه وعمرته إن جامع قبل أن يطوف للعمرة وعليه دمان وقضاء الحج والعمرة ولو خضب المحرم رأسه أو لحيته بالحناء وجب عليه دم إن كان الخضاب مائعا وإن كان متلبدا فعليه دمان: دم للتطيب، ودم لتغطية الرأس. ولو ادهن بالزيت البحت وجب عليه دم عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وقال الصاحبان رحمهما الله تعالى في الإدهان بالزيت صدقة.
ولو لبس المحرم مخيطا لبسا معتادًا أو غطى رأسه يوما كاملا لا يلزمه إلا دم.
وعن أبى يوسف رضى الله عنه: يجب دم بلبسه أكثر اليوم، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله الأول. وعن محمد إن لبسه في بعض اليوم يجب من قيمة الدم بحسابه ولو لبس قميصا وسرأويل وقباء وخفين يوما كاملا لا يلزمه إلا دم واحد لأنها من جنس واحد، فصار كجناية واحدة، وكذلك لو دام اللبس أياما أو كان يلبس بالنهار وينزعها ليلا بدون عزم على الترك، أما إذا نزعها ليلا وعزم على الترك ثم لبسها نهارا وجب عليه دم آخر لأن اللبس الأول انفصل عن الثانى بالترك.
وإذا حلق المحرم ربع رأسه أو ربع لحيته أو حلق رقبته أو حلق إبطيه أو أحدهما أو حلق مكان احتجامه وجب عليه دم، خلافا للصاحبين في حلق موضع الحجامة.
ولو حلق شاربه أو قصه كان في ذلك حكومة عدل ينظر كم يكون من ربع اللحية فإن كان ربع الريع وجب ربع الدم، ويجب الدم على المحرم المحلوق سواء أحلقه بنفسه أما حلقه غيره بأمره أو بغير أمره، كما إذا كان المحرم نائما أو مكرها.
ولو جامع بعدما طاف للعمرة بعض الأشواط وجب عليه دم، لكن إن طاف أكثر الأشواط لا تفسد العمرة، وإن طاف ثلاثة أشواط أو أقل فسدت العمرة، وإنما وجب عليه شاة لا بدنه،لأن العمرة سنة والحج فرض، فكانت أحط رتبة منه.
وإذا قص المحرم يدى نفسه ورجليه في مجلس وأحد وجب عليه دم واحد، ولو قص يدا واحدة أو رجلا واحدة وجب عليه دم كذلك لقص الأصابع الخمس متوالية، وإذا كان القص في مجالس وجب عليه دم واحد عند الإمام محمد رحمه الله، لأن مبناها على الداخل ككفارة الفطر إلا إذا تخللت الكفارة بينهما لارتفاع الأول بالتكفير فصار كما لو حلق رأسه في مجالس في كل مجلس ربعه، وعلى قول أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى يجب لكل يد دم ولكل رجل دم إذا وجد ذلك في كل مجلس حتى يجب عليه أربع دماء إذا وجد في كل مجلس قص يد أو رجل لأن الغالب فيها سنى العبادة فيتقيد التداخل باتحاد المجلس. وقال زفر رحمه الله تعالى: يجب على المحرم دم بقلم ثلاث من الأظافر، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله الأول، لأن في أظافر اليد الواحدة دما والثلاث كثرها.
والتطيب واللبس والحلق بعذر يخير فيه المحرم بين ذبح شاة أو تصدق بثلاثة أصوع على ستة مساكين أو صوم ثلاثة أيام لقول الله تعالى: ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك((143) .
قال هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصفه صاع طعاما لكل مسكين - متفق عليه-.
وفسر النسك صلى الله عليه وسلم بالشاة فيما رواه أبو دأود، وكلمة"أو"للتخيير فصار هذا أصلا في كل ما يفعله المحرم للضرورة كلبس المخيط والتطيب ثم الصوم يجزئه في أى موضع شاء لأنه عبادة في كل مكان، وكذا الصدقة عندنا، وأما النسك فمختص بالحرم بالاتفاق، لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو في مكان، وهذا الدم لا يختص بزمان، فوجب اختصاصه بالمكان، ثم إن أختار الإطعام تجزىء في التغذية أو التعشية بالإباحة عند أبى يوسف رحمه الله.
وقال محمد رضى الله عنه: لا يجزئه إلا التمليك لأن المذكور في النص بلفظ الصدقة وكل شىء على المفرد به دم، فعلى القارن دمان لأنه محرم بإحرامين ، وقد جنى عليهما فيجب عليه دمان (144) .
ما يجب به صدقة في الإحرام
إذا طيب أقل من عضو وجبت عليه صدقة لقصور الجناية، وقال محمد رحمه الله يجب بقدره من قيمة الدم، وإذا جمر ثوبه فتعلق به البخور قليلا، فعليه صدقة، والفرق بين التطيب وحلق الرأس، وتطيب بعض العضو غير معتاد، فلا تتكامل الجناية بخلاف حلق ربع الرأس فإنه معتاد، وإذا لبس مخيطا أو غطى رأسه أقل من يوم فعليه صدقة عند أبى حنيفة - رضى الله تعالى عنه - لقصور الجناية وكذلك إذا كانت التغطية أقل من ربع الرأس وقال أبو يوسف - رحمه الله - يجب عليه صدقة إذا لبس مخيطا أو غطى رأسه نصفه يوم فأقل إذا حلق أقل من ربع الرأس أو أقل من ربع اللحية أو بعض الرقبة أو بعض الإبط أو بعض اللحية فعليه صدقة أما في الرأس واللحية فلقصور الجناية في حلق أقل من الربع.
وأما في الرقبة والإبط والمحجم فلأن حلق بعضها لا يكون ارتفاقا كاملا إذا حلق المحرم رأس غير محرما أو قص شاربه أو قلم أظافره فعليه صدقة، وكذلك إذا حلق رأس محرم أو قص شاربه أو قلم أظافره، إلا أن كمال الجناية في إزالة تفث نفسه فيجب عليه دم فتأذيه بتفث غيره أقل من تأذيه بتفث نفسه فيجب عليه الصدقة (145) .
وإذا قص أقل من خمسة أظافر أو قص خمسة إلى ستة عشر متفرقة من كل عضو أربعة تصدق بنصفه صاع من بر عن كل ظفر ما لم يبلغ مجموع الأصابع قيمة الدم فإن بلغ نقص ما شاء كى لاتبلغ الدم، وفى اللباب ينقص من ذلك نصف صاع (146) .
جزاء الصيد
إذا قتل المحرم صيدا أو دل عليه فعليه الجزاء.
وأما وجوبه بالقتل فلقول الله عز وجل: ( ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم (( 147) .