وأما وجوبه بالدلالة فلما روى من حديث أبى قتادة - رضى الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل:"هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من لحمها."
ووجه الاستدلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علق الحل على عدم الإشارة وهى الدلالة بغير اللسان ، فأحرى ألا يحل له الأكل من الصيد إذا دل باللفظ (148) . والجزاء في الصيد قيمته، وذلك بأن يقومه عدلان في موضع قتله أو في أقرب موضع منه، إن قتل في برية، ثم هو مخير. في القيمة إن بلغت هديا اشتراه وذبحه أو اشترى طعامًا وتصدق به على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من نهر أو شعير وإن شاء صام عن كل نصفه صاع يوما، وهذا عند الشيخين رحمهما الله تعالى. وقال محمد: يجب النظير فيما له نظير، ففى الظبى شاة وفى الضبع شاة مثلا.
ثم إذا ظهرت قيمته بتقويمها خير القاتل بين الأشياء الثلاثة عند أبى حنيفة وأبى يوسف - رحمهما الله تعالى - وعند محمد الخيار إلى الحكمين في ذلك فإن حكما بالهدى يجب النظير على ما مر، وإن حكما بالطعام أو الصوم فعلى ما مر من قول الشيخين، وإن جرح المحرم الصيد أو قطع عضوه أو نتف شعره ضمن ما نقص اعتبارا للجزء بالكل كما في حقوق العباد وهذان إذا برىء وبقى أثره وان لم يبق له أثر لا يضمن لزوال الموجب.
وقال أبو يوسف: يلزمه صدقة للألم، ولو مات الصيد بعدما جرحه ضمن كله ، لأن جرحه سبب لموته، فيحال به عليه ما لم يبرأ ولو غاب الصيد ولم يعلم أمات أم برىء ضمن نقصانه لأنه لزمه بالجرح فلا يسقط عنه ولا يلزمه جميع القيمة بالاحتمال أو الشك، وهذا قياس.
وفى الاستحسان، يلزمه جميع القيمة احتياطا لمعني العبادة كمن أخذ صيدا في الحرم فأرسله ولم يعلم دخوله في الحرم، بخلاف الصيد المملوك (149) .
ويزيد الجزاء الواجب في قتل السبع عن شاة (150) .ولو أخذ المحرم صيدا فقتله محرم آخر وهو في يده يضمن الآخذ والقاتل جميعا ويرجع آخذه على قاتله. أما وجوب الجزاء عليهما فلوجود الجناية منهما، لأن الآخذ متعرض للصيد بالأخذ والآخر متعرض له بالقتل، فيضمن كل واحد منهما، ثم يرجع الآخذ عن القاتل ولو كان القاتل غير محرم (151) .
وقال زفر: لا يرجع، لأن الأخذ مؤاخذ بصنعه فلا يرجع على غيره وهذا لأنه لم يملك الصيد لا قبل الضمان ولا بعده، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان بتفويت يد أو ملك، فلم يوجد، وإذا اشترك المحرمان في قتل الصيد فعلى كل واحد منهما جزاء كامل لأنه كفارة قتل. وبدل للمحل، ويبطل بيع المحرم صيدا وشراؤه لأن بيعه حيا تعرض للصيد وبيعه بعد قتله بيع ميتة بخلاف ما إذا باع لبن الصيد أو بيضه أو الجراد أو شجر الحرم لأن هذه الأشياء لا يشترط فيها الزكاة، ثم إذا قبض المشترى وعطب في يده فعليه وعلى البائع الجزاء لأنهما قد جنيا عليه، البائع بالتسليم والمشترى بإثبات اليد عليه، ويضمن المشترى أيضا للبائع لفساد البيع ولو رده على البائع يجب على المشترى الجزاء للتعدى بالتسليم إليه وجعله عرضة للهلاك، ويبرأ من الضمان للبائع، وعلى هذا لو وهب محرم صيدا من محرم فهلك عنده يجب عليه جزاءان: ضمان. لصاحبه لفساد الهبة وجزاء حقا لله تعالى، وإن أكله فعليه ثلاثة أجزية عند أبى حنيفة رحمه الله لأنه يجب عنده بالأكل الجزاء، ولو غصب محرم من محرم صيدا وجب عليهما الجزاء لتعديهما بالتسليم والتسلم.
وإن هلك في يده فعليه قيمتان: قيمة لمالكه وقيمة حقا لله تعالى، ويجب عليه إرساله، ولا يجوز له أن يسلمه إلى صاحبه فإن أرسله، يجب عليه الضمان لصاحبه وبرئ من الضمان لحق الشرع.
ومن أخرج ظبية من الحرم فولدت: ماتا ضمن الولد والأم جميعا لأن الصيد بعد الإخراج ممن الحرم مستحق الأمن حتى يجب عليه رده أى مأمنه وهو الحرم، وهذه صفة شرعية فتسرى إلى الولد كسائر الصفات الشرعية مثل الرق والحرية فيضمن الولد كالأم (152) .
ما لا يوجب على المحرم شيئا
مما يظن تحريمه
مذهب الحنفية:
لا شىء على المحرم بقتل البعوض والنمل والبرغوث والقراد والسلحفاة ،لأنها ليست بصيود بصيد ما هى من الحشرات كالخنافس ومع هذا فإن بعضها يبتدئ بالأذى وما لا تؤذى لا يحل قتلها، ولكن لا تضمن لأنها ليست بصيد ولا هى متولدة من البدن.
وذكر في الغاية نقلا عن المحيط أنه لاشيء في القنافذ والخنافس والوزغ والذباب والزنبور والحلمة وصياح الليل والصردوأم حبين وابن عرس، لأنها من هوام الأرض وحشراتها، وليست بصيود ولا هى متولدة من البدن.
وللمحرم ذبح شاة وبقرة وبعير ودجاجة وبط أهلى لإجماع الأمة على ذلك، ولأنها ليست يصيد.
والمراد بالبط الأهلى ما يكون في المساكن والحياض ولا يطير لأنها ألوف بأصل الخلقة كالدجاج ، وأما ما تطير فهى صيد فيه الجزاء والجواميس حكمها على التفصيل كذلك، فما أستأنس منه لا شىء فيه، وما لم يستأنس فهو صيد وإن أضطر المحرم إلى قتل صيد فقتله فعليه الجزاء، لأن الأذن مقيد بالكفارة في حق المضطر لقول الله تعالى: ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (( 153) وأن نزلت في الحلق تتناول كل مضطر دلالة، وإن وجد صيدًا ذبحه محرم يأكل الصيد ويدع الميتة (154) .
قال المالكية: الفدية واجبة فيما يترفه به أو يزال به أذى مما حرم على المحرم لغير ضرورة كحناء وكحل وستر المرأة وجهها وكفيها بمخيط ولبس خفه مع وجود النعل بثمن معتاد، أو احتزم لغير عمل ففدية أيضا ثم الأصل تعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في أربعة مواضع: