( نِيَّةُ الْقُرْبَةِ ) : 6 - مِنْ الْقُرُبَاتِ مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ , وَمِنْهَا مَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ . أَوَّلًا: الْقُرُبَاتُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ هِيَ كَمَا يَقُولُ الْقَرَافِيُّ: الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا , كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ , وَالْخَوْفِ مِنْ نِقَمِهِ , وَالرَّجَاءِ لِنِعَمِهِ , وَالتَّوَكُّلِ عَلَى كَرَمِهِ , وَالْحَيَاءِ مِنْ جَلَالِهِ , وَالْمَحَبَّةِ لِجَمَالِهِ , وَالْمَهَابَةِ مِنْ سُلْطَانِهِ , وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ , وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ , وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ , فَإِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِجَنَابِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . ثَانِيًا: الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ , وَهِيَ: الْعِبَادَاتُ , مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ , وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ مَنْدُوبَةً , فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَعْظِيمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِفِعْلِهَا , وَالْخُضُوعُ لَهُ فِي إتْيَانِهَا , وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا قُصِدَتْ مِنْ أَجْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , فَإِنَّ التَّعْظِيمَ بِالْفِعْلِ بِدُونِ الْمُعَظَّمِ مُحَالٌ , فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالنِّيَّاتِ , وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ فِي الْعِبَادَاتِ هِيَ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى , يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } . وَنِيَّةُ الْقُرْبَةِ إنَّمَا هِيَ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ , لِيَتَمَيَّزَ مَا لِلَّهِ عَنْ مَا لَيْسَ لَهُ , أَوْ تَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي أَنْفُسِهَا , لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ , وَيَظْهَرَ قَدْرُ تَعْظِيمِهِ لِرَبِّهِ . فَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا تَكُونُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ: الْغُسْلُ , يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً , وَدَفْعُ الْأَمْوَالِ , يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَمُوَاصَلَةً عُرْفِيَّةً , وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ , يَكُونُ عِبَادَةً وَحَاجَةً , وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ , يَكُونُ مَقْصُودًا لِلصَّلَاةِ وَتَفَرُّجًا يَجْرِي مَجْرَى اللَّذَّاتِ , وَالذَّبْحُ , قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ الْأَكْلِ , وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ , فَشُرِعَتْ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْقُرَبِ مِنْ غَيْرِهَا . أَمَّا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِي الْعِبَادَاتِ , فَهِيَ لِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي نَفْسِهَا , لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ , وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: الصَّلَاةُ , تَنْقَسِمُ إلَى فَرْضٍ وَمَنْدُوبٍ , وَالْفَرْضُ يَنْقَسِمُ إلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَضَاءً وَأَدَاءً , وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إلَى رَاتِبٍ كَالْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ , وَغَيْرِ رَاتِبٍ كَالنَّوَافِلِ , وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قُرُبَاتِ الْمَالِ وَالصَّوْمِ وَالنُّسُكِ . ثَالِثًا: الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ أَوْ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا تُعْتَبَرُ قُرُبَاتٍ فِي ذَاتِهَا , لَكِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ قُرُبَاتٍ إذَا نَوَى بِهَا الْقُرْبَةَ , وَمِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الَّتِي تَكُونُ صُوَرُ أَفْعَالِهَا كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهَا , كَدَفْعِ الدُّيُونِ , وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ , وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ , وَالْأَقَارِبِ , وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا , وَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ لَهَا , فَيَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا , وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا , فَمَنْ دَفَعَ دَيْنَهُ غَافِلًا عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ أَجْزَأَ عَنْهُ , أَمَّا إنْ قَصَدَ الْقُرْبَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ , وَإِلَّا فَلَا . وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ الْأَعْمَالِ , يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ فَإِنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ , فَإِنَّ التَّرْكَ يَصِيرُ قُرْبَةً وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ لِأَجْلِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ . وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّ صِفَتَهَا تَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لِأَجْلِهِ , فَإِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقَوِّيَ عَلَى الطَّاعَاتِ , أَوْ التَّوَصُّلَ إلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً وَقُرْبَةً يُثَابُ عَلَيْهَا . وَفِي الْمَنْثُورِ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلَامِ قُرْبَةٌ لَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ عَلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ . وَقَطْعُ السَّرِقَةِ وَاسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ مِنْ الْإِمَامِ قُرْبَةٌ , وَلَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ , وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُثَبْ .