فهرس الكتاب

الصفحة 1609 من 2053

10 -الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَلَا يَتَعَدَّى نَفْعُهَا فَاعِلَهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ هَاهُنَا انْتِفَاعٌ ; وَلِأَنَّ مَنْ أَتَى بِعَمَلٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أُجْرَةً , وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ ; وَلِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ , وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ . أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا لِلْغَيْرِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ , فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ , لَكِنْ كَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنَهَا قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا . لَكِنْ أَجَازَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ اسْتِحْسَانًا وَمِثْلُ ذَلِكَ الْإِمَامَةُ وَالْأَذَانُ لِلْحَاجَةِ . أَمَّا مَا يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ , كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ , فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ . وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقُرُبَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا كَالْقَضَاءِ , لَا يُعْتَبَرُ أَجْرًا , يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً , بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ , فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ , وَمَا يَأْخُذُهُ فَهُوَ رِزْقٌ لِلْمَعُونَةِ عَلَى الطَّاعَةِ , وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ , وَالْمُوصَى بِهِ كَذَلِكَ وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ , لَيْسَ كَالْأُجْرَةِ . وَذَهَبَ الْقَرَافِيُّ إلَى أَنَّ بَابَ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ , وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ مِنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ . وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: الْقُضَاةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقَضَاءِ إجْمَاعًا , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرُوا عَلَى الْقَضَاءِ بِسَبَبِ أَنَّ الْأَرْزَاقَ إعَانَةٌ مِنْ الْإِمَامِ لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ , لَا أَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَجِ وَنُهُوضِهَا , وَلَوْ اُسْتُؤْجِرُوا عَلَى ذَلِكَ لَدَخَلَتْ التُّهْمَةُ فِي الْحُكْمِ بِمُعَاوَضَةِ صَاحِبِ الْعِوَضِ , وَيَجُوزُ فِي الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُطْلَقُ لِلْقَاضِي الدَّفْعُ وَالْقَطْعُ وَالتَّقْلِيلُ وَالتَّكْثِيرُ وَالتَّغْيِيرُ , وَلَوْ كَانَ إجَارَةً لَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ . وَيَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: الْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ وَالْإِمَامَةُ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ نَفَقَةٌ فِي الْمَعْنَى , وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت