النِّيَابَةُ فِي الْقُرْبَةِ: 11 - مِنْ الْقُرُبَاتِ مَا لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ فِي الْحَيَاةِ بِالْإِجْمَاعِ , وَذَلِكَ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ , مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ عَنْ الْحَيِّ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } , إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ , وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ , فَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعُهْدَةِ لَا فِي حَقِّ الثَّوَابِ . وَمِنْ الْقُرُبَاتِ مَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ بِالْإِجْمَاعِ , وَهِيَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِبْرَاءِ , سَوَاءٌ كَانَ الْإِنْسَانُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْقُرُبَاتِ بِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا إخْرَاجُ الْمَالِ , وَهُوَ يَحْصُلُ بِفِعْلِ النَّائِبِ . أَمَّا الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ النَّاحِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ , كَالْحَجِّ , فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ , لَكِنَّهُمْ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِالْعُذْرِ , وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ , كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ , وَقَالَ الْبَاجِيُّ: تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَعْضُوبِ كَالزَّمِنِ وَالْهَرَمِ , وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ أَجَّرَ صَحِيحٌ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَزِمَهُ لِلْخِلَافِ . أَمَّا بَعْدَ الْمَمَاتِ , فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ , كَذَلِكَ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ , وَإِذَا لَمْ يُوصِ بِالْحَجِّ عَنْهُ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِحْجَاجِ رَجُلٍ عَنْهُ جَازَ , لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَنْد الْمَالِكِيَّةِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ , أَمَّا الصَّوْمُ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِمَنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ , أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ , وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ وَلِيُّهُ عَنْهُ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } , وَهَذَا الرَّأْيُ هُوَ الْأَظْهَرُ , أَمَّا الْحَجُّ فَمَنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَلَمْ يُؤَدِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ , لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ قَالَ: { أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ , فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: حُجِّي عَنْهَا } . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ الْوَاجِبَيْنِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ - أَيْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ - لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ حَالَ الْحَيَاةِ فَبَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ , أَمَّا مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ , فَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ , سُنَّ لِوَلِيِّهِ فِعْلُ النَّذْرِ عَنْهُ .