فهرس الكتاب

الصفحة 1611 من 2053

الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ ): 12 - قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنْ الْمُضْمِرَاتِ عَنْ النِّصَابِ: وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْلُ عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ . ا هـ فَهَذَا يُفِيدُ جَوَازَ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ بِلَا كَرَاهَةٍ , وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فُرُوعًا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } , وَمَا وَرَدَ مِنْ { أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ , فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاَللَّهِ , لَا أُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا , قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَدِهِ } , وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُقْتَضَى طَلَبِ الْإِذْنِ مَشْرُوعِيَّةُ ذَلِكَ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ . أ هـ . أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا عَارَضَ تِلْكَ الْقُرْبَةَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا , كَاحْتِرَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَشْيَاخِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَرْعُ السَّابِقُ وَالْحَدِيثُ . . . , وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ بِهِ , وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ . وَقَالَ السُّيُوطِيّ: الْإِيثَارُ فِي الْقُرَبِ مَكْرُوهٌ , وَفِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ , قَالَ تَعَالَى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } . قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ , فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ , وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ , فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمَهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ: لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ - وَمَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ - فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ , لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ , لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِيُجْلَسَ فِي مَوْضِعِهِ . فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ , فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ , قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ . وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ , وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ , وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ , لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ , وَلَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ إيثَارَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ لِاسْتِبْقَاءِ مُهْجَتِهِ , كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ لِلَّهِ فَلَا يَسُوغُ فِيهِ الْإِيثَارُ , وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ لِنَفْسِهِ , وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ , فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ . وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ: كَرِهَ قَوْمٌ إيثَارَ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ ; لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ وَالْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ .

( مَرَاتِبُ الْقُرُبَاتِ ) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت