13 -أ - أَفْضَلُ الْقُرُبَاتِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى , فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ } , جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِيمَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ , لِجَلْبِهِ لِأَحْسَنِ الْمَصَالِحِ وَدَرْئِهِ لِأَقْبَحِ الْمَفَاسِدِ مَعَ شَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ وَشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ , وَثَوَابُهُ الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ , وَالْخُلُوصُ مِنْ النِّيرَانِ وَغَضَبِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ . ب - ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ الْفَرَائِضُ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ , لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ , وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْهِ , وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ , فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ , وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا , وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا , وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنهُ , وَلَئِنْ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنهُ , وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ , يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ } . جَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: يُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ , وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاحْتِرَامُ الْآمِرِ , وَتَعْظِيمُهُ بِالِانْقِيَادِ إلَيْهِ , وَإِظْهَارُ عَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ , وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ فَكَانَ التَّقَرُّبُ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الْعَمَلِ . ج - وَبَعْدَ مَنْزِلَةِ الْفَرَائِضِ فِي الْقُرْبَةِ تَكُونُ مَنْزِلَةُ النَّوَافِلِ , بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ , قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إذَا أَدَّى الْعَبْدُ الْفَرَائِضَ وَدَاوَمَ عَلَى إتْيَانِ النَّوَافِلِ , نَالَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى , وَكُلُّ فَرِيضَةٍ تُقَدَّمُ عَلَى نَوْعِهَا مِنْ النَّوَافِلِ كَتَقْدِيمِ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ عَلَى نَوَافِلِهَا , وَفَرَائِضِ الصِّيَامِ عَلَى نَوَافِلِهِ وَتَقْدِيمِ فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ عَلَى نَوَافِلِهَا , وَهَكَذَا . د - وَإِذَا كَانَتْ قُرَبُ الْفَرَائِضِ تَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَفْضَلِ هَذِهِ الْفَرَائِضِ , فَقِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ } , وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ: إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ , وَقِيلَ: إنَّ الصِّيَامَ أَفْضَلُ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } , وَقِيلَ: إنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ . هـ - وَالْقُرَبُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ تُقَدَّمُ عَلَى الْقُرَبِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّتَهُ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْ الْبَعْضِ فَقَطْ ; وَلِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَعْتَمِدُ عَدَمَ تَكْرَارِ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ , وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ يَعْتَمِدُ تَكَرُّرَ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ , وَالْفِعْلُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ أَقْوَى فِي اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الَّذِي لَا تُوجَدُ الْمَصْلَحَةُ مَعَهُ إلَّا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ . و - عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْقُرَبِ عَلَى بَعْضٍ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ الْإِنْسَانِ , فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا , وَسُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ , وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ } , وَهَذَا جَوَابٌ لِسُؤَالِ السَّائِلِ , فَيَخْتَصُّ بِمَا يَلِيقُ بِالسَّائِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله تعالى عنهم مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَّا لِيَتَقَرَّبُوا بِهِ إلَى ذِي الْجَلَالِ , فَكَأَنَّ السَّائِلَ قَالَ: أَيِّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ لِي فَقَالَ:"بِرُّ الْوَالِدَيْنِ", لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ يَشْتَغِلُ بِبِرِّهِمَا , وَقَالَ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْجِهَادِ لِمَا سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ: { الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } , وَقَالَ لِمَنْ يَعْجِزُ عَنْ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ: { الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا } .