الْوَصِيَّةُ بِالْقُرْبَةِ: 15 - تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِالْقُرْبَةِ بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَتْمُ عَمَلِهِ بِالْقُرْبَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرَبِ السَّابِقَةِ , فَتَزِيدَ بِهَا حَسَنَاتُهُ , وَقَدْ تَكُونُ تَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِيُدْرِكَ بِهَا مَا فَاتَ . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ } وَفِي رِوَايَةٍ: { إنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ } , وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ كَوَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلْكَنِيسَةِ . وَقَدْ تَجِبُ الْوَصِيَّةُ إذَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ قُرَبٌ وَاجِبَةٌ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ . وَرَغْمَ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ لَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَجَازُوا وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِالْقُرَبِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ , فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوَابُهَا لَهُ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْ مِلْكِهِ وَمَالِهِ , فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ .
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْقُرَبِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْوَصِيَّةِ , وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قُدِّمَتْ الْفَرَائِضُ مِنْهَا , سَوَاءٌ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا مِثْلُ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ ; لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ أَهَمُّ مِنْ النَّافِلَةِ , وَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْبُدَاءَةُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ , فَإِنْ تَسَاوَتْ فِي الْقُوَّةِ بُدِئَ بِمَا قَدَّمَهُ الْمُوصِي إذَا ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَهَمِّ , وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالزَّكَاةِ وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْحَجِّ , وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْحَجَّ , وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ , ثُمَّ تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ عَلَى الْكَفَّارَاتِ لِمَزِيَّتِهِمَا عَلَيْهَا فِي الْقُوَّةِ , وَالْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ ; لِأَنَّهُ عُرِفَ وُجُوبُهَا بِالْقُرْآنِ دُونَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ , وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ , وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْبَعْضِ , وَيُقْسَمُ الثُّلُثُ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا . فَمَا أَصَابَ الْقُرَبَ صُرِفَ إلَيْهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَمَّا أَوْصَى بِهِ , فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فَكُّ أَسِيرٍ , ثُمَّ مُدَبَّرٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ , ثُمَّ صَدَاقُ مَرِيضٍ , ثُمَّ زَكَاةٌ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا مِنْ مَالِهِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَاقِي ثُلُثِهِ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا تَقَدَّمَ , إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُلُولِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْحَوْلِ فَتَخْرُجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ , كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ إنْ مَاتَ الْمَالِكُ بَعْدَ إفْرَاكِ الْحَبِّ وَطِيبِ الثَّمَرِ وَمَجِيءِ السَّاعِي , فَتَخْرُجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ , ثُمَّ يُخْرِجَ مِنْ بَاقِي الثُّلُثِ زَكَاةَ الْفِطْرِ الَّتِي فَرَّطَ فِي إخْرَاجِهَا , ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَقَتْلِ خَطَأٍ , ثُمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ , ثُمَّ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنْ وَصَّى بِشَيْءٍ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ صُرِفَ فِي الْقُرَبِ جَمِيعِهَا , لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ , وَيَبْدَأُ مِنْهَا بِالْغَزْوِ نَصًّا , لِقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إنَّهُ أَفْضَلُ الْقُرَبِ , وَلَوْ قَالَ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ أَرَاك اللَّهُ تَعَالَى أَوْ حَيْثُ يُرِيك اللَّهُ تَعَالَى , فَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ رَأَى وَضْعَهُ فِيهَا عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ , وَالْأَفْضَلُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِ الْمُوصِي غَيْرِ الْوَارِثِينَ ; لِأَنَّهُ فِيهِمْ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ .