وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يكره قراءة بعض السّورة ، لعموم قوله تعالى: « فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ » ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: xx كان يقرأ في الأولى من ركعتي الفجر: « قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا » وفي الثانية قوله تعالى: « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء » « .
لكن صرح الشافعية بأن السّورة الكاملة أفضل من قدرها من طويلة ; لأن الابتداء بها والوقف على آخرها صحيحان بالقطع بخلافهما في بعض السّورة ، فإنهما يخفيان ، ومحلّه في غير التراويح ، أما فيها فقراءة بعض الطويلة أفضل ، وعللوه بأن السّنة فيها القيام بجميع القرآن ، بل صرحوا بأن كل محلّ ورد فيه الأمر بالبعض فالاقتصار عليه أفضل كقراءة آيتي البقرة وآل عمران في ركعتي الفجر .
وصرح الحنفية بأنه إذا قرأ المصلّي سورةً واحدةً في ركعتين فالأصحّ أنه لا يكره ، لكن لا ينبغي أن يفعل ، ولو فعل لا بأس به .
وصرحوا أيضًا بكراهة الانتقال من آية من سورة إلى آية من سورة أخرى ، أو من هذه السّورة وبينهما آيات .
وصرح الحنابلة بكراهة قراءة كلّ القرآن في فرض واحد لعدم نقله وللإطالة ، ولا تكره قراءته كلّه في نفل ; لأن عثمان رضي الله تعالى عنه كان يختم القرآن في ركعة ، ولا تكره قراءة القرآن كلّه في الفرائض على ترتيبه .
قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة ، اليوم سورةً وغدًا التي تليها ؟ قال: ليس في هذا شيء ، إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحده .
ما يحرم من القراءة في الصلاة
7 -نص الحنفية على أن المصلّي لو ترك ترتيب السّور لا يلزمه شيء مع كونه واجبًا ; لأنه ليس واجبًا أصليًّا من واجبات الصلاة .
وصرح المالكية بحرمة تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة ، وأنه يبطل الصلاة ; لأنه ككلام أجنبيّ .
ونص الشافعية على أنه يجب أن يأتي بالفاتحة مرتبةً فإذا بدأ بنصفها الثاني لم يعتد به مطلقًا سواء بدأ به عامدًا أم ساهيًا ويستأنف القراءة . هذا ما لم يغيّر المعنى . فإن غير المعنى بطلت صلاته .
كما صرح الحنابلة بحرمة تنكيس كلمات القرآن وتبطل الصلاة به ، قالوا: لأنه يصير بإخلال نظمه كلامًا أجنبيًّا يبطل الصلاة عمده وسهوه ، كما صرحوا بحرمة القراءة عما يخرج عن مصحف عثمان لعدم تواتره ولا تصحّ صلاته .
قال البهوتيّ: قال في شرح الفروع"وظاهره ولو وافق قراءة أحد من العشرة في أصحّ الرّوايتين".
الجهر والإسرار في القراءة
8 -ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يسنّ للإمام أن يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية: كالصّبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء ، ويسرّ في الصلاة السّرّية .
وذهب الحنفية إلى وجوب الجهر على الإمام في الصلاة الجهرية والإسرار في الصلاة غير الجهرية .
كما يسنّ للمنفرد الجهر في الصّبح والأوليين من المغرب والعشاء عند المالكية والشافعية . ويرى الحنفية والحنابلة على المذهب أن المنفرد يخير فيما يجهر به إن شاء جهر وإن شاء خافت ، والجهر أفضل عند الحنفية .
وتفصيل ذلك في مصطلح جهر ف /7 .
واشترط الحنفية والشافعية والحنابلة لاعتبار القراءة أن يسمع القارئ نفسه ، فلا تكفي حركة اللّسان من غير إسماع ; لأن مجرد حركة اللّسان لا يسمى قراءةً بلا صوت ; لأن الكلام اسم لمسموع مفهوم ، وهذا اختيار الهندوانيّ والفضليّ من الحنفية ورجحه المشايخ .
واختار الكرخيّ عدم اعتبار السماع ; لأن القراءة فعل اللّسان وذلك بإقامة الحروف دون الصّماخ; لأن السماع فعل السامع لا القارئ ، وهو اختيار الشيخ تقيّ الدّين من الحنابلة أيضًا . ولم يشترط المالكية أن يسمع نفسه وتكفي عندهم حركة اللّسان ، أما إجراؤها على القلب دون تحريك اللّسان فلا يكفي ، لكن نصّوا على أن إسماع نفسه أولى مراعاةً لمذهب الجمهور .
اللحن في القراءة
9 -اتفق الفقهاء على أن اللحن في القراءة إن كان لا يغيّر المعنى فإنه لا يضرّ وتصحّ الصلاة معه .
واختلفوا في اللحن الذي يغيّر المعنى .
فذهب الحنفية إلى أن اللحن إن غير المعنى تغييرًا فاحشًا بأن قرأ:"وعصى آدمَ ربُّهُ"، بنصب الميم ورفع الربّ وما أشبه ذلك - مما لو تعمد به يكفر - إذا قرأه خطأً فسدت صلاته في قول المتقدّمين .
وقال المتأخّرون محمد بن مقاتل ، وأبو نصر محمد بن سلام ، وأبو بكر بن سعيد البلخيّ ، والفقيه أبو جعفر الهندوانيّ ، وأبو بكر محمد بن الفضل ، والشيخ الإمام الزاهد وشمس الأئمة الحلوانيّ: لا تفسد صلاته .
وفي الفتاوى الهندية: ما قاله المتقدّمون أحوط ; لأنه لو تعمد يكون كفرًا ، وما يكون كفرًا لا يكون من القرآن ، وما قاله المتأخّرون أوسع ; لأن الناس لا يميّزون بين إعراب وإعراب ، والفتوى على قول المتأخّرين .
وذهب المالكية في المعتمد عندهم إلى أن اللحن ولو غير المعنى لا يبطل الصلاة ، وسواء ذلك في الفاتحة أو غيرها من السّور .