وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر شديد أو برد شديد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو إلى شد رأسه بعصابة لجراحة عليه ، أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه و تجب علية الكفارة لقول الله تعالى: ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (( 158) فثبت الحلق بالنص وقسنا ما سواه عليه لأنه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو شعر الرأس إلى عينه فغطاها فقطع ما غطى العين أو انكسر شىء من ظفره فقطع ما انكسر منه أو صال عليه صيد دفعا عن نفسه جاز ولا كفارة عليه لأن الذى تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه، ويختلف الحكم فيما إذا أذاه الهوام في رأسه فحلق الشعر، لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذى تعلق به المنع وإنما كان من غيره وأن كشط من بدنه جلدًا وعليه شعر أو قطع كفه وفيه أظفار لم تلزمه فدية لأنه تابع لمحله فسقط حكمه تبعا لمحله كالأطراف مع النفس في قتل الآدمى ، وإن لبس أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جاهلا بالتحريم أو ناسيا للإحرام لم تلزمه الفدية لما روى أبو يعلى به أمية قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر للحيته ورأسه فقال: يا رسول الله ، أحرمت بعمرة ، وأنا كما ترى فقال:"أغسل عنك إصفرة ، وانزع عنك الجبة ، وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك"، ولم يأمره بالفدية فدل على أن الجاهل لا فدية عليه (159) .
فإذا ثبت هذا في الجاهل ثبت هذا في الناسى ، لأن الناسى يفعل وهو يجهل تحريمه عليه ، فإذا ذكر ما فعله ناسيا أو علم ما فعله جاهلا نزع اللباس وأزال الطيب لحديث يعلى بن أمية فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية لأنه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فديه وإن مس طيبا وهو يظن أنه يابس وكان رطبا ففيه قولان: أحدهما تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب. والثانى: لا تلزمه لأنه جهل تحريمه فأشبه إذا جهل تحريم الطيب في الإحرام، ومن حك شعره فإنتثر منه شعرة لزمته الفدية (160) .
وإن وطىء في العمرة أو في الحج قبل التحلل الأول فقد فسد نسكه ويجب عليه أن يمضى في فاسده ثم يقضى، لما روى عن عمر وعلى وابن عمر وابن عباس وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وأبى هريرة رضى الله عنهم أنهم أوجبوا ذلك.
ويجب عليه بدنه لما روى عن على كرم الله وجهه قال: على كل واحد منهما بدنة، فإن لم يجد فبقرة، لأن البقرة كالبدنه لأنها تجزىء في الأضحية عن سبعة، فإن لم يجد لزمه سبع من الغنم، فإن لم يجد قوم البدنه دراهم والدراهم طعاما، ف ن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوما.
وقال أبو اسحاق فيه قول آخر أنه مخير بين هذه الثلاثة قياسا على فديه الأذى، وإن كان المحرم صبيا فوطىء عامدا بنيت على القولين، فإن قلنا أن عمده خطأ فهو كالناسى، وقد بيناه ، فإن قلنا أن عمده عمد فسد نسكه ووجبت الكفارة، وعلى من تجب فيه قولان:أحدهما: في ماله، والثانى: على الولى وإن وطىء وهو قارن وجب مع البدنة دم القران لأنه دم وجب بغير الوطء فلا يسقط بالوطء كدم الطيب، وإن وطئ ثم وطئ ولم يكفر عن الأول، ففيه قولان: قال في القديم: يجب عليه بدنة واحدة، كما لو زنى ثم زنى كفاه لهما حد واحد. وقال في الجديد: يجب عليه للثانى كفارة أخرى، وفى الكفارة الثانية قولان: أحدهما: شاة لأنها مباشرة لا توجب الفساد فوجبت فيها شاة، كالقبلة بشهوة والثانى: يلزمه بدنة لأنه وطء في إحرام منعقد، فأشبه الوطء في إحرام صحيح. وإن قبلها بشهوة أو باشرها فيما دون الفرج بشهوة لم يفسد حجه لأنها مباشرة لا توجب الحد فلم تفسد الحج كالمباشرة بغير شهوة، ويجب عليه فدية الأذى لأنه استمتاع لا يفسد الحج فكانت كفارته ككفارة فديه الأذى.
والطيب والاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج لأنه بمنزلتها في التحريم والتعزير: فكان بمنزلتها في الكفارة.
وإن قتل صيدا نظرت فإن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم ( والنعم هى الإبل والبقر والغنم) .
والدليل عليه قول الله عز وجل: ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم((161)
وما ورد فيه تقدير المثل عن الصحابه لا يحتاج إلى اجتهاد، وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة لقول الله تعالى: ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا (( 162) .
روى قبيصة بن جابر الأسدى قال: أصبت ظبيا وأنا محرم فأتيت عمر - رضى الله عنه- ومعى صاحب لى فذكرت له، فأقبل على رجل إلى جنبه فشاوره ، فقال لى: اذبح شاة. وإذا وجب عليه المثل فهو بالخيار بين أن يذبح المثل ويفرقه وبين أن يقومه بالدراهم، والدراهم طعاما ويتصدق به وبين أن يصوم عن كل مد يوم لقول الله عز وجل:( هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما (.
وإن جرح صيدا له مثل فنقص عشر قيمته، فالمنصوص أنه يجب عليه عشر ثمن المثل، وإن ضرب صيدا حاملا فأسقطت ولدا حيا ثم ماتا ضمن الأم بمثلها وضمن الولد بمثله، وإن ضربها فأسقطت جنينا ميتا والأم حية ضمن ما بين قيمتها حاملا وحائلا ولا يضمن الجنين (163) .
وإن كان الصيد لا مثل له من النعم وجب عليه قيمته في الموضع الذى أتلفه فيه لما روى أن مروان سأل ابن عباس - رضى الله عنه- عن الصيد يصيده المحرم ولا مثل له من النعم.
قال ابن عباس: ثمنه بهدى إلى مكة، ولأنه تعذر إيجاب المثل فيه فضمن بالقيمة كمال الآدمى، وإن كان الصيد طائرا نظرت فإن كان حماما، وهو الذى يعب ويهدر كالذى يقتنيه الناس في البيوت، كالدبسى والقمرى، فإنه يجب فيه شاة، لأنه روى ذلك عن عمر وعثمان ونافع بن عبد الحرث وابن عباس - رضى الله عنهم -.