قال النّوويّ في شرح صحيح مسلم معلّقًا على هذا الحديث: فيه إكرام أهل الفضل ، وتلقّيهم بالقيام لهم ، إذا أقبلوا ، واحتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام ، قال القاضي عياض: وليس هذا من القيام المنهيّ عنه ، وإنّما ذلك فيمن يقومون عليه ، وهو جالس ، ويمثلون قيامًا طوال جلوسه ، وأضاف النّوويّ: قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحبّ ، وقد جاء فيه أحاديث ، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح .
ويستحبّ القيام لأهل الفضل كالوالد والحاكم ; لأنّ احترام هؤلاء مطلوب شرعًا وأدبًا .
وقال الشيخ وجيه الدّين أبو المعالي في شرح الهداية: وإكرام العلماء وأشراف القوم بالقيام سنّة مستحبة .
ونقل ابن الحاجّ عن ابن رشد - في البيان والتحصيل - أنّ القيام يكون على أوجه:
الأول: يكون القيام محظورًا ، وهو أن يقوم إكبارًا وتعظيمًا لمن يحبّ أن يقام إليه تكبّرًا وتجبرًا .
الثاني: يكون مكروهًا ، وهو قيامه إكبارًا وتعظيمًا وإجلالًا لمن لا يحبّ أن يقام إليه ، ولا يتكبر على القائمين إليه .
الثالث: يكون جائزًا ، وهو أن يقوم تجلةً وإكبارًا لمن لا يريد ذلك ، ولا يشبه حاله حال الجبابرة ، ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه .
الرابع: يكون حسنًا ، وهو أن يقوم لمن أتى من سفر فرحًا بقدومه ، أو للقادم عليه سرورًا به لتهنئته بنعمة ، أو يكون قادمًا ليعزّيه بمصاب ، وما أشبه ذلك .
وقال ابن القيّم: وقد قال العلماء: يستحبّ القيام للوالدين والإمام العادل وفضلاء الناس ، وقد صار هذا كالشّعار بين الأفاضل . فإذا تركه الإنسان في حقّ من يصلح أن يفعل في حقّه لم يأمن أن ينسبه إلى الإهانة والتقصير في حقّه ، فيوجب ذلك حقدًا ، واستحباب هذا في حقّ القائم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك ، ويرى أنّه ليس بأهل لذلك .
وقال القليوبيّ: ويسنّ القيام لنحو عالم ومصالح وصديق وشريف لا لأجل غنىً ، وبحث بعضهم وجوب ذلك في هذه الأزمنة ; لأنّ تركه صار قطيعةً .
وقد ورد « أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت فاطمة عليه قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها » .
وورد عن محمد بن هلال عن أبيه أنّه قال: « إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج قمنا له حتى يدخل بيته » .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكّئًا على عصًا ، فقمنا له ، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يعظّم بعضها بعضًا » .
وورد عن أنس رضي الله عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا ، لما يعلمون من كراهيته لذلك .
القيام في العقوبات:
إقامة الحدّ جلدًا أو رجمًا أثناء القيام أو القعود:
23 -إذا كان الحدّ جلدًا في الزّنا والقذف ، فيقام الحدّ على الرجل قائمًا ، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له ، سواء أثبت الزّنا ببينة أم بإقرار ، وتضرب المرأة قاعدةً عند الجمهور"الحنفية والشافعية والحنابلة"; لأنّ ذلك أستر للمرأة ، ولقول عليّ رضي الله عنه: يضرب الرّجال في الحدود قيامًا والنّساء قعودًا .
وذهب الإمام مالك إلى أنّ الرجل يضرب قاعدًا ، وكذا المرأة .
وأما إذا كان الحدّ رجمًا ، كما في رجم الزّناة المحصنين ، فترجم المرأة بالاتّفاق قاعدةً . ويخير الإمام عند الحنفية في الحفر لها: إن شاء حفر لها ، وإن شاء ترك الحفر ، أما الحفر ; فلأنّه أستر لها ، وقد روي « أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم حفر للمرأة الغامدية إلى ثَنْدوتها » "أي ثديها"، وأما ترك الحفر فلأنّ الحفر للستر ، وهي مستورة بثيابها ; لأنّها لا تجرد عند إقامة الحدّ .
وهذا قول بعض الحنابلة أيضًا بالحفر للمرأة إلى الصدر إن ثبت زناها بالبينة ، أما إن ثبت زناها بالإقرار ، فلم يحفر لها .
والأصحّ عند الشافعية استحباب الحفر للمرأة إن ثبت زناها بالبينة لئلا تنكشف ، بخلاف ما إذا ثبت زناها بالإقرار ، لتتمكن من الهرب إن رجعت عن إقرارها .
وذهب المالكية على المشهور والحنابلة على الراجح إلى أنّه لا يحفر للمرأة ولا للرجل ، لعدم ثبوته ، قال ابن قدامة: أكثر الأحاديث على ترك الحفر ، فإنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لماعز ولا لليهوديين .
وأما الرجل فيرجم عند الجمهور قائمًا ، وقال مالك: يرجم قاعدًا .