وذهب المالكية إلى أنّه يجوز للمصلّي القيام حال الإقامة أو أولها أو بعدها ، فلا يطلب له تعيين حال ، بل بقدر الطاقة للناس ، فمنهم الثقيل والخفيف ، إذ ليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة أنّه عليه الصلاة والسلام قال: « إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت » ، وقال ابن رشد: فإن صح هذا وجب العمل به ، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفوّ عنه ، أعني أنّه ليس فيها شرع ، وأنّه متى قام كلّ واحد ، فحسن . وذهب الشافعية إلى أنّه يستحبّ للمأموم والإمام أن لا يقوما حتى يفرغ المؤذّن من الإقامة ، وقال الماورديّ: ينبغي لمن كان شيخًا بطيء النّهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ولسريع النّهضة أن يقوم بعد الفراغ ، ليستووا قيامًا في وقت واحد .
فإذا أقيمت الصلاة وليس الإمام مع القوم بل يخرج إليهم فإنّ المأمومين لا يقومون حتى يروا الإمام لما رواه أبو قتادة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت » .
ورأي الحنابلة: أنّه يستحبّ أن يقوم المصلّي عند قول المؤذّن: قد قامت الصلاة ، لما روي عن أنس: « أنّه كان يقوم إذا قال المؤذّن: قد قامت الصلاة » .
القيام في خطبة الجمعة والعيدين ونحوهما:
17 -اختلف الفقهاء في حكم قيام الخطيب في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوفين .
فذهب الحنفية والحنابلة وابن العربيّ من المالكية ، إلى أنّ قيام الخطيب في الخطبة سنّة ، لفعله صلى الله عليه وسلم ولم يجب ; لأنّه ذِكْر ليس من شرطه استقبال القبلة ، فلم يجب له القيام ، كالأذان .
وذهب الشافعية وأكثر المالكية إلى أنّ قيام الخطيب حال الخطبة شرط ، إن قدر ، وذهب الدردير من المالكية إلى أنّ الأظهر أنّ القيام واجب غير شرط ، فإن جلس أساء وصحت . وزاد الشافعية أنّه إن عجز عن القيام خطب قاعدًا ثم مضطجعًا كالصلاة ، ويصحّ الاقتداء به، والأولى له أن يستنيب .
واستدلّوا للقيام في الخطبة بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائمًا ، ثم يجلس ، ثم يقوم كما يفعلون اليوم » .
وفي الحديث دليل على أنّ القيام حال الخطبة مشروع ، قال ابن المنذر ، وهو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار .
القيام في حال تلاوة القرآن الكريم والذّكر:
18 -تجوز تلاوة القرآن الكريم وترداد الأذكار من تهليل وتسبيح وتحميد وغيرها في أيّ حال ، قيامًا وقعودًا ، وفي حالة الوقوف والمشي ، قال الإمام النّوويّ رحمه الله: ولو قرأ القرآن قائمًا ، أو راكبًا ، أو جالسًا ، أو مضطجعًا ، أو في فراشه ، أو على غير ذلك من الأحوال ، جاز ، وله أجر ، قال الله عز وجل: { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } .
القيام للجنازة عند مرورها:
19 -اختلف الفقهاء في حكم القيام للجنازة عند مرورها:
فقال المالكية والحنابلة: يكره القيام للجنازة إذا مرّوا بها على جالس ; لأنّه ليس عليه عمل السلف .
وعند الحنفية: المختار أن لا يقوم لها ، وقال القليوبيّ: يندب القيام للجنازة على المعتمد ، وأن يدعو لها ويثني عليها خيرًا ، إن كانت أهلًا له .
القيام عند الأكل والشّرب:
20 -ذهب الحنفية إلى كراهة الأكل والشّرب قائمًا تنزيهًا ، واستثنوا الشّرب من زمزم والشّرب من ماء الوضوء بعده ، حيث نفوا الكراهة عنهما .
وذهب المالكية إلى أنّه يباح الأكل والشّرب قائمًا .
وذهب الشافعية إلى أنّ شرب الشخص قائمًا بلا عذر خلاف الأولى .
وذهب الحنابلة إلى عدم كراهة الشّرب قائمًا ، أما الأكل قائمًا فقد قال البهوتيّ: وظاهر كلامهم لا يكره أكله قائمًا ، ويتوجه كشرب .
وفي رواية عندهم أنّه يكره الأكل والشّرب ، قائمًا .
وسبب الاختلاف أنّه وردت أحاديث متعارضة في الأكل والشّرب قائمًا .
منها: عن أنس: « أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم زجر وفي رواية: نهى عن الشّرب قائمًا » ، قال قتادة: فقلنا: فالأكل ، فقال: ذاك شرّ وأخبث"، ويدلّ هذا الحديث على منع الأكل والشّرب قائمًا ."
وهناك أحاديث أخرى تجيز الأكل والشّرب قائمًا وقاعدًا وماشيًا .
منها: ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « كنّا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ، ونشرب ونحن قيام » .
ومنها: ما رواه ابن عباس قال: « شرب النبيّ صلى الله عليه وسلم من زمزم وهو قائم » .
القيام حال التبوّل:
21 -يستحبّ باتّفاق الفقهاء أن يبول الإنسان قاعدًا ; لأنّه أستر وأبعد من مماسة البول ; ولئلا يصيبه الرشاش ، فيتنجس ، ويكره البول قائمًا عند جمهور الفقهاء إلا لعذر .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( قضاء الحاجة ف / 9 ) .
القيام للقادم والوالد والحاكم والعالم وأشراف القوم:
22 -ورد النهي عن القيام للقادم إذا كان بقصد المباهاة والسّمعة والكبرياء ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « من سَرَّهُ أن يتمثل له الرّجال قيامًا ، فليتبوأ مقعده من النار » ، وثبت جواز القيام للقادم إذا كان بقصد إكرام أهل الفضل ، لحديث أبي سعيد الخدريّ: « أنّ أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ - سيّد الأوس - فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ، فأتاه على حمار ، فلما دنا من المسجد ، قال للأنصار: قوموا إلى سيّدكم أو خيركم .. » .