وقال الزّيلعي: ولا كفّارة بالإنزال فيما دون الفرج , لانعدام الجماع صورةً , وعليه القضاء لوجوده معنىً , والمراد بما دون الفرج غير القبل والدبر كالفخذ والإبط والبطن , وهو في معنى اللّمس والمباشرة والقبلة .
وقال: ولو أنزل بقبلة فعليه القضاء لوجود معنى الجماع وهو الإنزال بالمباشرة , دون الكفّارة لقصور الجناية , فانعدم صورة الجماع , وهذا لأنّ القضاء يكفي لوجوبه وجود المنافي صورةً أو معنىً , ولا يكفي ذلك لوجوب الكفّارة , فلا بدّ من وجود المنافي صورةً ومعنىً , لأنّها تندرئ بالشبهات , بخلاف سائر الكفّارات حيث تجب مع الشبهة .
القول الثّاني: وجوب الكفّارة بالإنزال بالمباشرة فيما دون الفرج , وهو مذهب المالكيّة , قالوا: ولو تعمّد إنزال منيٍّ بتقبيل أو مباشرةٍ أو بإدامة فكرٍ أو نظرٍ وكان عادته الإنزال . وهو قول عطاءٍ والحسن وابن المبارك وإسحاق , ورواية عن أحمد , وأبي خلفٍ الطّبريّ من تلامذة القفّال المروزيّ .
واستدلوا بأنّه فطر بجماع فأوجب الكفّارة كالجماع في الفرج .
وجوب الكفّارة على من جامع ناسيًا وما أشبهه:
24 -لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة على من جامع في القبل متعمّدًا لغير عذرٍ , وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها على من جامع ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا على قولين:
القول الأوّل: لا كفّارة على من جامع ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وبه قال: إسحاق واللّيث والأوزاعي , وهو قول ابن المنذر والحسن ومجاهدٍ والثّوريّ .
واستدلوا بقوله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ } .
وقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
ففي الآية والحديث نص على رفع الخطأ والنّسيان والإكراه , والمراد رفع الحكم , لأنّ كلّ واحدٍ من الثّلاثة موجود حسًا , والحكم نوعان: دنيوي وهو الفساد , وأخروي وهو الإثم , ومسمّى الحكم يشملهما , فيتناول الرّفع الحكمين , فلا كفّارة عليه , لأنّ الكفّارة لرفع الإثم وهو محطوط عن النّاس .
وبما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفّارة » .
والدّلالة من هذا الحديث ظاهرة في عدم وجوب الكفّارة على من أفطر في رمضان ناسيًا سواء كان الفطر بالجماع أو غيره .
وبأنّ كفّارة الفطر في نهار رمضان تختلف عن سائر الكفّارات حيث تجب هذه الكفّارات مع الشبهة , أمّا كفّارة الفطر في نهار رمضان فتسقط مع الشبهة .
والفرق: أنّ الكفّارة إنّما تجب لأجل جبر الفائت , وفي الصّوم حصل الجبر بالقضاء , فكانت الكفّارة زاجرةً فقط , فشابهت الحدود فتندرئ بالشبهات .
وبقياس الجماع على الأكل والشرب , فكما أنّ من أكل أو شرب ناسيًا لا تجب عليه الكفّارة , كذلك من جامع ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا لا تجب عليه الكفّارة .
القول الثّاني: وجوب الكفّارة على من جامع ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا .
وإليه ذهب الحنابلة , وهو رواية عن عطاءٍ , وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الملك . واستدلّ الحنابلة ومن معهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: « بينا نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه هلكت ، قال: ما لك ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا ، قال: فهل تجد إطعام ستّين مسكينًا ؟ قال: لا ، قال: فمكث النّبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيها تمر - والعرق المكتل - قال: أين السّائل ؟ فقال: أنا ، قال: خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل: على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبي صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال: أطعمه أهلك » .
فهذا الحديث نص في وجوب الكفّارة على من جامع في نهار رمضان مطلقًا , سواء أكان عامدًا أم ساهيًا أم جاهلًا أم مخطئًا مختارًا كان أو مكرهًا , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابيّ ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله , لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز , والسؤال معاد في الجواب , كأنّه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفّر .
وبأنّ الصّوم عبادة يحرم الوطء فيه , فاستوى عمده وغيره كالحجّ .
وبأنّ إفساد الصّوم ووجوب الكفّارة حكمان يتعلّقان بالجماع , لا تسقطهما الشبهة , فاستوى فيهما العمد والسّهو كسائر أحكامه .
وجوب الكفّارة بتعمد الإفطار بالأكل والشرب ونحوهما:
25 -لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الكفّارة على من أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيًا أو جاهلًا أو مخطئًا .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها بتعمد الأكل أو الشرب ونحوهما على قولين:
القول الأوّل: وجوب الكفّارة بتعمد الأكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , وبه قال عطاء والحسن والزهري والثّوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثورٍ .
واستدلوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: « أنّ رجلًا أفطر في رمضان فأمره عليه الصلاة والسلام أن يعتق رقبةً » .
وبما روي من قول الرّسول صلى الله عليه وسلم: « من أفطر في رمضان متعمّدًا فعليه ما على المظاهر » .