فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 2053

ووجه الدّلالة من هذين الحديثين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر في الحديث الأوّل من أفطر في نهار رمضان أن يعتق رقبةً دون أن يفرّق بين إفطارٍ وإفطارٍ , وجعل جزاء الفطر متعمّدًا في الحديث الثّاني جزاء المظاهر مطلقًا , والمظاهر تجب عليه الكفّارة , فتجب على كلّ من أفطر بأكل أو بغيره .

وقالوا: إنّ الكفّارة تتعلّق بالإفساد لهتك حرمة الشّهر على سبيل الكمال لا بالجماع , لأنّ المحرّم هو الإفساد دون الجماع , ولهذا تجب عليه بوطء منكوحته ومملوكته إذا كان بالنّهار لوجود الإفساد , لا باللّيل لعدمه , بخلاف الحدّ , ألا ترى أنّه عليه الصلاة والسلام جعل علّةً لها بقوله: « من أفطر في رمضان . . . » الحديث , فبطل القول بتعلقها بالجماع .

ولا نسلّم أنّ شهوة الفرج أشد هيجانًا ولا الصّبر عن اقتضائه أشد على المرء , بل شهوة البطن أشد , وهو يفضي إلى الهلاك , ولهذا رخّص فيه في المحرّمات عند الضّرورة لئلا يهلك , بخلاف الفرج , ولأنّ الصّوم يضعف شهوة الفرج , ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام العزب بالصّوم والأكل يقوّي شهوة البطن , فكان أدعى إلى الزّاجر .

القول الثّاني: عدم وجوب الكفّارة بتعمد الأكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان .

وإليه ذهب الشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال سعيد بن جبيرٍ والنّخعي وابن سيرين وحمّاد وداود .

واستدلوا بأنّ الأصل عدم الكفّارة إلا فيما ورد به الشّرع , وقد ورد الشّرع بإيجاب الكفّارة في الجماع , وما سواه ليس في معناه , لأنّ الجماع أغلظ , ولهذا يجب به الحد في ملك الغير , ولا يجب فيما سواه فبقي على الأصل , وإن بلغ ذلك السلطان عزّره , لأنّه محرّم ليس فيه حد ولا كفّارة , فثبت فيه التّعزير , كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبيّة .

وبأنّه أفطر بغير جماعٍ , فلم يوجب ذلك الكفّارة , كبلع الحصاة أو التراب , أو كالرّدّة عند مالكٍ , ولأنّه لا نصّ في إيجاب الكفّارة بهذا , ولا إجماع .

ولا يصح قياسه على الجماع , لأنّ الحاجة إلى الزّجر عنه أمس , والحكم في التّعدّي به آكد , ولهذا يجب به الحد إذا كان محرمًا ويختص بإفساد الحجّ دون سائر محظوراته , ووجوب البدنة , ولأنّه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره .

وجوب الكفّارة بالإكراه على الجماع:

اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل أو المرأة إذا أكرها على الجماع في نهار رمضان:

أ - إذا كان المكرَه رجلًا:

26 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل المكرَه على الجماع في نهار رمضان على قولين:

القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان .

وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وهو رواية أبي الخطّاب عن الإمام أحمد . واستدلوا بما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .

وبأنّ الكفّارة إمّا أن تكون عقوبةً أو ماحيةً للذّنب , ولا حاجة إليها مع إكراهٍ , لعدم الإثم فيه .

وبأنّ الشّرع لم يرد بوجوب الكفّارة فيه , ولا يصح قياسه على ما ورد الشّرع فيه , لاختلافهما في وجود العذر وعدمه .

وبأنّ فساد الصّوم يتحقّق بالإيلاج , وهو مكره فيه , لأنّه ليس كل من انتشرت آلته يجامع . القول الثّاني: وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان .

وإليه ذهب الحنابلة , وابن الماجشون وابن عبد الملك من المالكيّة .

واستدلوا بحديث أبي هريرة قال: « بينا نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه هلكت ، قال: ما لك ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا ، قال: فهل تجد إطعام ستّين مسكينًا ؟ قال: لا ، قال: فمكث النّبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيها تمر - والعرق المكتل - قال: أين السّائل ؟ فقال: أنا ، قال: خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل: على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبي صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال: أطعمه أهلك » .

ففي الحديث دلالة على وجوب الكفّارة على كلّ من جامع في نهار رمضان مختارًا كان أو مكرهًا لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابي , ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله , لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز , والسؤال معاد في الجواب , كأنّه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفّر .

وبأنّه عبادة يحرم الوطء فيه , فاستوى عمده وغيره كالحجّ .

وبأنّ الإكراه على الوطء لا يمكن , لأنّه لا يطأ حتّى ينتشر , ولا ينتشر إلا عن شهوةٍ , فكان كغير المكره , لأنّه ملتذ بالجماع , لأنّ الانتشار أمارة الاختيار .

ب - إذا كان المكره امرأةً:

27 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا أكرهت على الجماع في نهار رمضان على قولين:

القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة عليها إذا أكرهت على الجماع في نهار رمضان .

وإليه ذهب الحنفيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال الحسن والثّوري والأوزاعي . واستدلوا بأنّها لم يوجد منها فعل , فلم تفطر كما لو صبّ في حلقها ماء بغير اختيارها . وبأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابيّ الّذي واقع إلا بكفّارة واحدةٍ , مع مساس الحاجة إلى البيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت