ووجه الدّلالة من هذين الحديثين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر في الحديث الأوّل من أفطر في نهار رمضان أن يعتق رقبةً دون أن يفرّق بين إفطارٍ وإفطارٍ , وجعل جزاء الفطر متعمّدًا في الحديث الثّاني جزاء المظاهر مطلقًا , والمظاهر تجب عليه الكفّارة , فتجب على كلّ من أفطر بأكل أو بغيره .
وقالوا: إنّ الكفّارة تتعلّق بالإفساد لهتك حرمة الشّهر على سبيل الكمال لا بالجماع , لأنّ المحرّم هو الإفساد دون الجماع , ولهذا تجب عليه بوطء منكوحته ومملوكته إذا كان بالنّهار لوجود الإفساد , لا باللّيل لعدمه , بخلاف الحدّ , ألا ترى أنّه عليه الصلاة والسلام جعل علّةً لها بقوله: « من أفطر في رمضان . . . » الحديث , فبطل القول بتعلقها بالجماع .
ولا نسلّم أنّ شهوة الفرج أشد هيجانًا ولا الصّبر عن اقتضائه أشد على المرء , بل شهوة البطن أشد , وهو يفضي إلى الهلاك , ولهذا رخّص فيه في المحرّمات عند الضّرورة لئلا يهلك , بخلاف الفرج , ولأنّ الصّوم يضعف شهوة الفرج , ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام العزب بالصّوم والأكل يقوّي شهوة البطن , فكان أدعى إلى الزّاجر .
القول الثّاني: عدم وجوب الكفّارة بتعمد الأكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان .
وإليه ذهب الشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال سعيد بن جبيرٍ والنّخعي وابن سيرين وحمّاد وداود .
واستدلوا بأنّ الأصل عدم الكفّارة إلا فيما ورد به الشّرع , وقد ورد الشّرع بإيجاب الكفّارة في الجماع , وما سواه ليس في معناه , لأنّ الجماع أغلظ , ولهذا يجب به الحد في ملك الغير , ولا يجب فيما سواه فبقي على الأصل , وإن بلغ ذلك السلطان عزّره , لأنّه محرّم ليس فيه حد ولا كفّارة , فثبت فيه التّعزير , كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبيّة .
وبأنّه أفطر بغير جماعٍ , فلم يوجب ذلك الكفّارة , كبلع الحصاة أو التراب , أو كالرّدّة عند مالكٍ , ولأنّه لا نصّ في إيجاب الكفّارة بهذا , ولا إجماع .
ولا يصح قياسه على الجماع , لأنّ الحاجة إلى الزّجر عنه أمس , والحكم في التّعدّي به آكد , ولهذا يجب به الحد إذا كان محرمًا ويختص بإفساد الحجّ دون سائر محظوراته , ووجوب البدنة , ولأنّه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره .
وجوب الكفّارة بالإكراه على الجماع:
اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل أو المرأة إذا أكرها على الجماع في نهار رمضان:
أ - إذا كان المكرَه رجلًا:
26 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل المكرَه على الجماع في نهار رمضان على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وهو رواية أبي الخطّاب عن الإمام أحمد . واستدلوا بما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
وبأنّ الكفّارة إمّا أن تكون عقوبةً أو ماحيةً للذّنب , ولا حاجة إليها مع إكراهٍ , لعدم الإثم فيه .
وبأنّ الشّرع لم يرد بوجوب الكفّارة فيه , ولا يصح قياسه على ما ورد الشّرع فيه , لاختلافهما في وجود العذر وعدمه .
وبأنّ فساد الصّوم يتحقّق بالإيلاج , وهو مكره فيه , لأنّه ليس كل من انتشرت آلته يجامع . القول الثّاني: وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان .
وإليه ذهب الحنابلة , وابن الماجشون وابن عبد الملك من المالكيّة .
واستدلوا بحديث أبي هريرة قال: « بينا نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه هلكت ، قال: ما لك ؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا ، قال: فهل تجد إطعام ستّين مسكينًا ؟ قال: لا ، قال: فمكث النّبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيها تمر - والعرق المكتل - قال: أين السّائل ؟ فقال: أنا ، قال: خذ هذا فتصدّق به ، فقال الرّجل: على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي ، فضحك النّبي صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال: أطعمه أهلك » .
ففي الحديث دلالة على وجوب الكفّارة على كلّ من جامع في نهار رمضان مختارًا كان أو مكرهًا لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يستفصل الأعرابي , ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله , لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز , والسؤال معاد في الجواب , كأنّه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفّر .
وبأنّه عبادة يحرم الوطء فيه , فاستوى عمده وغيره كالحجّ .
وبأنّ الإكراه على الوطء لا يمكن , لأنّه لا يطأ حتّى ينتشر , ولا ينتشر إلا عن شهوةٍ , فكان كغير المكره , لأنّه ملتذ بالجماع , لأنّ الانتشار أمارة الاختيار .
ب - إذا كان المكره امرأةً:
27 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا أكرهت على الجماع في نهار رمضان على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة عليها إذا أكرهت على الجماع في نهار رمضان .
وإليه ذهب الحنفيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال الحسن والثّوري والأوزاعي . واستدلوا بأنّها لم يوجد منها فعل , فلم تفطر كما لو صبّ في حلقها ماء بغير اختيارها . وبأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابيّ الّذي واقع إلا بكفّارة واحدةٍ , مع مساس الحاجة إلى البيان .