وبأنّ صوم المرأة ناقص , لأنّه يعرض أن يبطل بعروض الحيض , وإذا كان كذلك لم يكن كامل الحرمة , فلم تتعلّق به الكفّارة .
وبأنّ الواجب لو تعلّق بها لأمرت بإخراجه , فعدم أمرها بإخراجه دليل على عدم وجوبه . القول الثّاني: وجوب الكفّارة على المرأة المكرَهة على الجماع في نهار رمضان ويتحمّلها الزّوج عنها .
وإليه ذهب المالكيّة , والشّافعيّة في مقابل الأصحّ عندهم .
واستدلّ المالكيّة ومن وافقهم بأنّ الزّوج بإكراه زوجته على الجماع في نهار رمضان , أوجب على الزّوجة ما لم يكن واجبًا عليها , فيتحمّله هو , وتلزمه الكفّارة عنها
وجوب الكفّارة على من طلع عليه الفجر وهو مجامع:
فرّق الفقهاء بين النّزع في الحال مع أوّل طلوع الفجر , وبين استدامة الجماع , وخصوا كلّ حالةٍ بأحكامها .
أ - النّزع مع أوّل طلوع الفجر:
28 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على من نزع مع أوّل طلوع الفجر على قولين: القول الأوّل: لا كفّارة عليه .
وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة , وبه قال أبو حفصٍ من الحنابلة .
واستدلوا بأنّ النّزع ترك للجماع , فلا يتعلّق به ما يتعلّق بالجماع , لأنّ ما تعلّق بفعل شيءٍ لا يتعلّق بتركه , كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها , فخرج منها , أو حلف لا يلبس هذا الثّوب وهو عليه فبدأ ينزعه , فلا يحنث فكذلك ها هنا .
وبأنّ الإنزال من مباشرةٍ مباحةٍ , فلم يجب فيه شيء , كما لو قطع يد رجلٍ قصاصًا فمات المقتص منه .
وبأنّ ذلك ممّا لا يستطاع الامتناع عنه , وممّا لا يمكن التّحرز عنه فكان عفوًا .
القول الثّاني: عليه الكفّارة .
وبه قال ابن حامدٍ والقاضي وجمهور الحنابلة , وزفر من الحنفيّة .
واستدلوا بأنّه في حال النّزع مباشر للجماع , لأنّ النّزع جماع يتلذّذ به , فتعلّق به ما يتعلّق بالاستدامة .
ب - استدامة الجماع مع طلوع الفجر:
29 -اختلف الفقهاء في الواجب على من طلع عليه الفجر وهو مجامع , فاستدام الجماع على قولين:
القول الأوّل: عليه كفّارة .
وإليه ذهب: المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة .
واستدلوا بأنّه منع صوم يومٍ من رمضان بجماع من غير عذرٍ , فأثم به لحرمة الصّوم , فوجبت عليه الكفّارة , كما لو وطئ بعد طلوع الفجر أو في أثناء النّهار .
وبأنّ ابتداء الفعل هنا لم يتعلّق به كفّارة , فوجبت الكفّارة باستدامته , لئلا يخلو جماع في نهار رمضان عمدًا من كفّارةٍ .
القول الثّاني: لا كفّارة عليه .
وإليه ذهب الحنفيّة .
واستدلوا بأنّ الموجب للكفّارة عندهم هو الفطر على وجهٍ تتكامل به الجناية وذلك لم يوجد فيما إذا طلع الفجر , وهو مخالط لأهله , فداوم على ذلك , لأنّ شروعه في الصّوم لم يصحّ مع المجامعة , والفطر إنّما يكون بعد الشروع في الصّوم , ولم يوجد .
وقالوا أيضًا: ولئن كان الموجب للكفّارة الجماع المعدم للصّوم فالجماع هو إدخال الفرج في الفرج , ولم يوجد منه بعد التّذكر ولا بعد طلوع الفجر إدخال الفرج في الفرج , وإنّما وجد منه الاستدامة وذلك غير الإدخال , ألا ترى أنّ من حلف لا يدخل دارًا وهو فيها لم يحنث وإن مكث في الدّار ساعةً , فهذا مثله .
ج - كفّارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر:
30 -اختلف الفقهاء فيما يجب على من جامع وهو يظن أنّ الفجر لم يطلع بعد , فتبيّن أنّه قد طلع , على مذهبين:
المذهب الأوّل: لا كفّارة عليه .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وبه قال ابن عبّاسٍ ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم , وعطاء , وسعيد بن جبيرٍ , ومجاهد والثّوري والزهري , وأبو ثورٍ , وإسحاق بن راهويه , وعروة بن الزبير والحسن .
واستدلوا بما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
ولأنّ الكفّارة لرفع المأثم وهو محطوط عن المخطئ .
وبأنّه جامع وهو يعتقد أنّه يحل له ذلك , وكفّارة الصّوم عقوبة تجب مع المأثم , فلا تجب مع اعتقاد الإباحة كالحدّ , لأنّه معذور .
وأنّه بنى الأمر على الأصل , فلا تجب الكفّارة لتصور الجناية لأنّه لم يتعمّد انتهاك حرمة الصّوم بالجماع .
المذهب الثّاني: عليه الكفّارة .
وإليه ذهب الحنابلة .
واستدلوا بحديث المجامع المذكور آنفًا حيث أمره النّبي صلى الله عليه وسلم بالتّكفير من غير تفريقٍ ولا تفصيلٍ .
وبأنّه أفسد صوم رمضان بجماع تامٍّ , فوجبت الكفّارة كما لو علم .
أثر العارض في سقوط الكفّارة:
31 -اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة عمّن جامع في أوّل النّهار , ثمّ مرض أو جنّ , أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النّهار على قولين:
القول الأوّل: عدم سقوط الكفّارة بحدوث العارض .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , والشّافعيّة في الأظهر , وبه قال اللّيث وإسحاق , وابن أبي ليلى , وأبو ثورٍ .
واستدلوا بأنّه معنى طرأ بعد وجوب الكفّارة , فلم يسقطها كالسّفر .
وبأنّه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تامٍّ , فاستقرّت الكفّارة عليه كما لو لم يطرأ عذر .
وأنّه قصد هتك حرمة الصّوم أوّلًا بما فعل .
القول الثّاني: سقوط الكفّارة بحدوث العارض , وإليه ذهب الحنفيّة وبه قال الثّوري , وهو القول الآخر عند الشّافعيّة .
واستدلوا بأنّ المرض الطّارئ يبيح الفطر , فتبيّن به أنّ الصّوم لم يقع مستحقًا , لأنّ المرض معنىً يوجب تغير الطّبيعة إلى الفساد , يحدث أوّلًا في الباطن , ثمّ يظهر أثره , فلمّا مرض في ذلك اليوم , ظهر أنّه كان المرخّص موجودًا وقت الفطر , فمنع انعقاده موجبًا للكفّارة .
وبأنّ وجود أصل المرض شبهة , والكفّارة لا تجب معها .