وبأنّ الحيض دم يجتمع في الرّحم شيئًا فشيئًا , حتّى يتهيّأ للبروز فلمّا برز من يومه , ظهر تهيؤُه ويجب الفطر , أو تهيؤُ أصله فيورث الشبهة .
وبأنّ الجنون ينافي الصّوم , فتبيّن بعروضه أنّه لم يكن صائمًا في ذلك اليوم .
إلا أنّ الحنفيّة خصوا ذلك بالعارض السّماويّ الّذي لا صنع له فيه ولا في سببه فإن كان العارض بصنعه كالسّفر وجرح نفسه فالمعتمد لزومها .
وجوب الكفّارة بالجماع في صوم غير رمضان:
32 -لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الكفّارة على من جامع في صوم التّطوع , أو في صومٍ هو كفّارة الجماع .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها على من جامع في صوم قضاء رمضان , أو صوم النّذر , على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوّل: لا كفّارة عليه مطلقًا .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة .
واستدلوا بأنّ الكفّارة وردت في هتك حرمة رمضان , إذ لا يجوز إخلاؤُه عن الصّوم بخلاف غيره من الزّمان .
وبأنّه جامع في غير رمضان , فلم تلزمه الكفّارة , كما لو جامع في صيام الكفّارة , ويفارق القضاء الأداء , لأنّه متعيّن بزمان محترمٍ فالجماع فيه هتك له , بخلاف القضاء .
القول الثّاني: وجوب الكفّارة على من أفسد قضاء رمضان بالجماع , وبه قال قتادة . واستدلّ على وجوب الكفّارة على من جامع في قضاء رمضان بالمعقول فقال: إنّ قضاء رمضان عبادة تجب الكفّارة في أدائها , فوجبت في قضائها كالحجّ .
القول الثّالث: تجب الكفّارة على من أفطر عامدًا في نذر صوم الدّهر كلّه .
وإليه ذهب سحنون , وابن الماجشون من المالكيّة .
واستدلوا بأنّه لمّا أفطر متعمّدًا فيما لا يجبر بقضاء , أشبه الفطر في رمضان متعمّدًا , فإنّه لا يجبر بقضاء , إذ قد جاء فيه أنّه لا يقضيه بصيام الدّهر وإن صامه .
تعدد الكفّارة بتعدد الجماع في نهار رمضان:
33 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من تكرّر جماعه في نهار يومٍ واحدٍ من رمضان قبل تكفيره , فإنّ الواجب عليه كفّارة واحدة .
كما لا خلاف بينهم في أنّ من كفّر , ثمّ جامع ثانيةً في يومٍ آخر فإنّ الواجب عليه كفّارة ثانية .
وإنّما الخلاف بينهم في تعدد الكفّارة على من جامع في يومين ولم يكفّر .
كما اختلفوا في تعدد الكفّارة على من جامع ثمّ كفّر , ثمّ جامع ثانيةً في نفس اليوم , وإليك ما قاله الفقهاء في ذلك:
أ - تعدد الكفّارة على من جامع في يومين ولم يكفّر:
34 -إذا جامع في يومين من رمضان ولم يكفّر , فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمه بذلك على قولين:
القول الأوّل: تلزمه كفّارتان .
وإليه ذهب المالكيّة , والشّافعيّة , وهو قول اللّيث وابن المنذر , وروي ذلك عن عطاءٍ ومكحولٍ , واختاره القاضي وأحمد في أصحّ الرّوايتين عنه .
وقد استدلّ الجمهور بأنّ صوم كلّ يومٍ عبادة منفردة , فإذا وجبت الكفّارة بإفساده , لم تتداخل كفّاراتها , كرمضانين , وكالحجّتين , وكالعمرتين .
القول الثّاني: تجزئه كفّارة واحدة .
وإليه ذهب الحنفيّة , وبه قال الزهري والأوزاعي , وهو ظاهر إطلاق الخرقيّ , واختيار أبي بكرٍ من الحنابلة .
واستدلّ الحنفيّة ومن معهم بأنّها جزاء عن جناياتٍ تكرّر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحدّ .
ب - تعدد الكفّارة على من جامع فكفّر ثمّ جامع ثانيةً في نفس اليوم:
35 -إذا جامع في نهار رمضان فكفّر , ثمّ جامع ثانيةً في نفس اليوم فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمه بالجماع الثّاني على قولين:
القول الأوّل: لا شيء عليه بذلك الجماع .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة .
واستدلوا بأنّ الجماع الثّاني لم يصادف صومًا منعقدًا , ولم يمنع صحّته , فلم يوجب شيئًا كالجماع في اللّيل , بخلاف الجماع الأوّل .
القول الثّاني: تلزمه كفّارة ثانية , نصّ عليه أحمد .
واستدلّ الحنابلة بأنّ الصّوم في رمضان عبادة تجب الكفّارة بالجماع فيها , فتكرّرت بتكرر الوطء إذا كان بعد التّكفير كالحجّ .
وبأنّه وطء محرّم لحرمة رمضان فأوجب الكفّارة كالأوّل , وفارق الوطء في اللّيل فإنّه غير محرّمٍ .
من تقيّأ عمدًا في نهار رمضان:
36 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من ذرعه القيء , لا قضاء عليه ولا كفّارة , وإنّما الخلاف بينهم في وجوب الكفّارة على من تقيّأ عمدًا في نهار رمضان على قولين:
القول الأوّل: لا كفّارة عليه , وإنّما عليه القضاء .
وإليه ذهب: الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال علي وابن عمر وزيد ابن أرقم وعلقمة والزهري وإسحاق والثّوري والأوزاعي .
واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدًا فليقض » .
ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنّه نص في وجوب القضاء على من استقاء دون الكفّارة , لأنّها لو كانت واجبةً لبيّنها الرّسول صلى الله عليه وسلم لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وبأنّ الإفطار عمدًا في نهار رمضان لم يتحقّق صورةً فقصرت , فانتفت الكفّارة , لأنّ الكفّارة أقصى عقوبةٍ في الإفطار , فيحتاج إلى كمال الجناية , لأنّ في نقصانها شبهة العدم وهي تندرئ بالشبهات .
القول الثّاني: عليه القضاء والكفّارة , وبه قال عطاء وأبو ثورٍ .
رابعًا: محظورات الحجّ أو الإحرام:
37 -قد يعرض لقاصد الحجّ ما يمنعه من إتمامه أو الإتيان به على الوجه الأكمل , كمرض أو عذرٍ أو موتٍ , أو فوات وقتٍ أو تجاوز ميقاتٍ أو غير ذلك , ولجبر ذلك شرعت الكفّارة , والكفّارات الواجبة في ذلك إمّا منصوص عليها , وإمّا غير منصوصٍ عليها .