فهرس الكتاب

الصفحة 1677 من 2053

وتفصيل ذلك في مصطلح: ( الإحرام ف 145 - 185 وإحصار ف 33 وحرم ف 13 ) .

تعدد الجزاء بتعدد الصّيد:

38 -لا خلاف بين الفقهاء في تحريم قتل الصّيد والدّلالة عليه في الحرم , كما لا خلاف بينهم على أنّ المحرم إذا قتل الصّيد , أو اصطاد أو دلّ عليه فعليه الجزاء للنّصّ على ذلك . وإنّما اختلف الفقهاء في تعدد الجزاء بتعدد الصّيد على قولين:

القول الأوّل: في كلّ صيدٍ جزاء , وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وهو أظهر الرّوايتين عن الإمام أحمد وبه قال الثّوري وإسحاق وابن المنذر .

واستدلوا بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } .

ووجه الدّلالة من الآية: أنّها أوجبت الجزاء على العامد بعمومها , وذكر العقوبة في الثّانية لا يمنع الوجوب , كما قال اللّه تعالى: { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

فأثبت أنّ العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى اللّه .

يقول النّووي: وفي هذه الآية دلالتان:

الأولى: أنّ لفظ الصّيد إشارة إلى الجنس , لأنّ الألف واللام يدخلان للجنس أو للعهد , وليس في الصّيد معهود , فتعيّن الجنس وأنّ الجنس يتناول الجملة والأفراد , فقوله تعالى: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم } يعود إلى جملة الجنس وآحاده .

الثّانية: أنّ اللّه تعالى قال: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } وحقيقة المماثلة: أن يفدي الواحد بواحد , والاثنين باثنين , والمائة بمائة , ولا يكون الواحد من النّعم مثلًا لجماعة صيود .

وقالوا إنّ الصّيد نفس تضمن بالكفّارة , فتكرّرت بتكرر القتل , فيستوي فيه المبتدئ والعائد كقتل الآدميّ .

وإنّها غرامة متلفٍ يجب به المثل أو القيمة , فتكرّر بتكرر الإتلاف , كما في الآدميّ .

وإنّه لا يصح قياس جزاء الصّيد على غيره , لأنّ جزاءه مقدّر به ويختلف بصغره وكبره , وإنّما يقاس على من أتلف صيدين معًا , حيث يجب جزاؤُهما عليه , وكذلك إذا تفرّقا .

قال القاضي أبو الطّيّب: ولأنّا أجمعنا على أنّه لو قتل صيدين دفعةً واحدةً لزمه جزاءان , فإذا تكرّر قتلهما معًا , وجب تكرره بقتلهما مرتّبًا كالعبدين وسائر الأموال .

القول الثّاني: يجب الجزاء بالصّيد الأوّل دون ما بعده , وهذا مروي عن ابن عبّاسٍ , وبه قال شريح والحسن وسعيد بن جبيرٍ ومجاهد والنّخعي وقتادة وهي الرّواية الثّانية عن أحمد. وعن أحمد رواية أخرى: إن كفّر عن الأوّل فعليه الكفّارة , وإلا فلا شيء للثّاني . واستدلوا بقوله تعالى: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ } ووجه الدّلالة من هذه الآية: أنّ اللّه تعالى علّق وجوب الجزاء على لفظ"مَن".

قالوا: وما علّق على لفظ"مَن"لا يقتضي تكرارًا , كما لو قال: من دخل الدّار فله درهم , أو من دخلت الدّار فهي طالق فإذا تكرّر دخوله لم يستحقّ إلا درهمًا بالدخول الأوّل , وإذا تكرّر دخولها لا يقع إلا طلقة بالدخول الأوّل , فلا يتكرّر الجزاء بتكرار القتل , ولأنّ اللّه تعالى قال: { وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ } , ولم يرتّب على العود غير الانتقام , إذ لو كان تكرر الجزاء واجبًا لرتّبه على العود مع الانتقام , فكان عدم ذكره دليلًا على عدم وجوبه وتكرره .

صيد حرم المدينة:

39 -اختلف الفقهاء في وجوب الجزاء بقتل صيد حرم المدينة على قولين:

القول الأوّل: لا جزاء فيه .

وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول الشّافعيّ في الجديد , والرّواية الأولى عن الإمام أحمد .

واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « المدينة حرم ما بين عيرٍ إلى ثورٍ فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا » .

ووجه الدّلالة من الحديث: أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنّ المدينة حرم , وبأنّ كلّ من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا استحق الطّرد من رحمة اللّه واستحق الوعيد الشّديد , ولم يذكر كفّارةً , ولو كانت الكفّارة واجبةً لذكرها لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .

وبما روي من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أعطى بعض الصّبيان بالمدينة طائرًا , فطار من يده , فجعل يتأسّف على ذلك , ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « يا أبا عميرٍ ما فعل النغير » - اسم ذلك الطّير وهو طير صغير مثل العصفور - فهذا الحديث يدل على عدم وجوب الجزاء بصيد حرم المدينة , لأنّه لو كان لصيد المدينة حرمة الحرم , لما ناوله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صبيًا .

وقالوا: إنّ هذه بقعة يجوز دخولها بغير إحرامٍ فلا يجب بصيد حرمها جزاء قياسًا على سائر البلدان , بخلاف الحرم فإنّه ليس لأحد أن يدخله إلا محرمًا .

القول الثّاني: وجوب الجزاء بقتل صيد حرم المدينة , وهذا مروي عن ابن أبي ذئبٍ وابن المنذر , وهو قول الشّافعيّ في القديم , والرّواية الثّانية عن الإمام أحمد .

واستدلوا بما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا لأهلها وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت