ووجه الدّلالة: أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنّه حرّم المدينة , كما حرّم إبراهيم مكّة , فيجب في قتل صيده الجزاء كما يجب في قتل صيد حرم مكّة , لاستوائهما في التّحريم .
تعدد الجزاء بقتل الصّيد والأكل منه:
40 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المحرم إذا قتل صيدًا أو ذبحه فأكل منه أثم .
وإنّما الخلاف بينهم في الجزاء الواجب عليه , إذا قتل صيدًا أو ذبحه فأكل منه على قولين: القول الأوّل: عليه جزاء واحد .
وإليه ذهب المالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وصاحبا أبي حنيفة .
واستدلوا بأنّه صيد مضمون بالجزاء , فلم يضمن ثانيًا كما لو أتلفه بغير الأكل .
وبالقياس على صيد الحرم إذا قتله أو أكله .
وبالقياس على ما لو قتله محرم آخر , ثمّ أكل هذا منه .
وبأنّ تحريم أكله لكونه ميتةً , فأشبه سائر الميتات , لأنّ الميتة لا تضمن بالجزاء , وإنّما توجب الاستغفار .
القول الثّاني: عليه جزاءان .
وبه قال أبو حنيفة , وعطاء .
واستدلا بأنّ قتل هذا الصّيد من محظورات إحرامه , والقتل غير مقصودٍ لعينه بل للتّناول من الصّيد , فإذا كان ما ليس بمقصود من محظورات إحرامه يلزمه الجزاء به , فما هو مقصود بذلك أولى .
منشأ الخلاف بين الفقهاء:
ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في ذلك إلى اختلافهم في اعتبار أكل الصّيد تعدّيًا ثانيًا عليه سوى تعدّي القتل أم لا ؟
وإذا كان تعدّيًا فهل هو مساوٍ للتّعدّي الأوّل أم لا ؟ .
وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه .
الجزاء في إتلاف بيض الصّيد:
41 -اختلف الفقهاء في ضمان بيض الصّيد المحرّم على المحرم إذا كسره على قولين: القول الأوّل: وجوب الجزاء فيه .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة .
وقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إنّ الجزاء في إتلاف المحرم بيض الصّيد هو القيمة واستدلوا بما روي من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « في بيض النّعام يصيبه المحرم ثمنه » , ولأنّ البيض لا مثل له فتجب قيمته , فإن لم تكن له قيمة لكونه مذرًا فلا شيء فيه , إلا بيض النّعام فإنّ لقشره قيمةً في الجملة .
وقال المالكيّة: إنّ الجزاء الواجب في إتلاف بيض الصّيد هو عشر قيمة أمّه .
القول الثّاني: لا جزاء في إتلاف المحرم بيض الصّيد , وبه قال المزني من الشّافعيّة واستدلّ بأنّه لا روح فيه فلا جزاء عليه .
إزالة الشّعر:
42 -لا خلاف بين الفقهاء في تحريم إزالة الشّعر قبل التّحلل وأنّه يجب به الفدية والتّفصيل في مصطلح: ( إحرام ف 155 ) .
ما يجب على المحرم بلبس المخيط , وإماطة الأذى من غير ضرورةٍ:
43 -اختلف الفقهاء فيما يجب على المحرم بلبس المخيط وما في معناه وإماطة الأذى من غير ضرورةٍ على قولين:
القول الأوّل: عليه الفدية المنصوص عليها .
وإليه ذهب: المالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال الأوزاعي .
القول الثّاني: عليه دم فقط .
وبه قال الحنفيّة , وهو مروي عن ابن عبّاسٍ ورواية عن الإمام أحمد .
والتّفصيل في مصطلح: ( إحرام ف 152 - 159 ) .
الكفّارات الواجبة بالجماع ودواعيه:
44 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الجماع من مفسدات الحجّ لقوله سبحانه وتعالى: { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } .
كما لا خلاف بينهم في أنّ من وطئ قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجّه , وعليه الكفّارة , وكذلك من وطئ من المعتمرين قبل أن يطوف ويسعى ، ولا خلاف بينهم أيضًا في وجوب الكفّارة بالوطء قبل التّحلل الأكبر في الفرج أو دونه , من آدميٍّ أو بهيمةٍ , أنزل أو لم ينزل .
كما لا خلاف بينهم في وجوب الكفّارة بمباشرة مقدّمات الجماع من القبلة واللّمس والنّظر وتكراره وغيرها من محظورات الإحرام .
وإنّما الخلاف بينهما في وجوب الكفّارة على المرأة إذا طاوعته وفي تعدد الكفّارة بتعدد الجماع ودواعيه وأثر النّسيان والجهل في سقوطها .
وجوب الكفّارة على المرأة الموطوءة:
45 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا طاوعت زوجها على الوطء على قولين:
القول الأوّل: وجوب الكفّارة عليها كما هي واجبة عليه .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والحنابلة , وبه قال ابن عبّاسٍ وسعيد بن المسيّب والنّخعي والضّحّاك , والحكم وحمّاد وهو قول للشّافعيّة حكاه الخراسانيون .
واستدلوا بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: اهد ناقةً ولتهد ناقةً .
ولأنّها أحد المتجامعين من غير إكراهٍ , فلزمها الكفّارة كالرّجل .
القول الثّاني: عدم وجوب الكفّارة عليها , ويجزئهما كفّارة واحدة .
وإليه ذهب أكثر الشّافعيّة وهو الأصح , وروي ذلك عن عطاءٍ , وهو رواية عن الإمام أحمد .
واستدلوا بأنّه جماع واحد فلم يوجب أكثر من كفّارةٍ واحدةٍ كحالة الإكراه .
تعدد الكفّارة بتعدد الجماع ودواعيه:
46 -لا خلاف بين جمهور الفقهاء في تعدد الكفّارة إذا كان الوطء الثّاني بعد التّكفير عن الأوّل .
وإنّما الخلاف بينهم في تعدد الكفّارة بتعدد الجماع ودواعيه قبل التّكفير على قولين:
القول الأوّل: عدم تعدد الكفّارة بتعدد الجماع أو دواعيه .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وقول للشّافعيّة , وروي ذلك عن عطاءٍ , وبه قال محمّد ابن الحسن من الحنفيّة .
واستدلوا بأنّه جماع موجب للكفّارة , فإذا تكرّر قبل التّكفير عن الأوّل , لم يوجب كفّارةً ثانيةً كالصّيام .
وأنّه إذا لم يكفّر عن الأوّل , تتداخل كفّارته , كما يتداخل حكم المهر والحدّ .
القول الثّاني: تعدد الكفّارة بتعدد الجماع أو دواعيه .