وإليه ذهب الحنفيّة وهو المشهور عند الشّافعيّة , ورواية عن الإمام أحمد .
واستدلوا بأنّ كلّ وطءٍ سبب للكفّارة بانفراده , فأوجبها كالوطء الأوّل .
وأنّ الإحرام ووجوب الفدية باقيان بارتكاب سائر المحظورات , بخلاف الصّوم , فإنّه بالجماع الأوّل قد خرج عنه .
أثر النّسيان والجهل في سقوط الكفّارة:
47 -اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة عمّن جامع ناسيًا أو جاهلًا لإحرامه على قولين: القول الأوّل: عدم سقوط الكفّارة بالجهل أو النّسيان .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والحنابلة , وهو قول الشّافعيّ في القديم .
واستدلوا بأنّ الوطء لا يكاد يتطرّق النّسيان إليه بخلاف غيره .
وأنّ الجماع مفسد للصّوم دون غيره , فاستوى عمده وسهوه , بخلاف ما دونه .
وأنّه سبب يتعلّق به وجوب القضاء في الحجّ , فاستوى عمده وسهوه كالفوات .
وبعدم القياس فيه على الصّوم , لأنّه قياس مع الفارق , فإنّ الصّوم يحصل الفطر فيه قبل تمام حقيقة الجماع , وغير الجماع في الصّوم لا يوجب الكفّارة , وإنّما تجب الكفّارة بخصوص الجماع فافترقا .
وأنّ الحكم تعلّق بعين الجماع , لأنّ المنهيّ عنه في الإحرام الرّفث والرّفث اسم للجماع , وبسبب النّسيان لا ينعدم عين الجماع , وهذا لأنّه قد اقترن بحالة ما يذكره , وهو هيئة المحرمين , فلا يعذر بالنّسيان كما في الصّلاة إذا أكل أو شرب , بخلاف الصّوم فإنّه لم يقترن بحالة ما يذكره , فجعل النّسيان فيه عذرًا في المنع من إفساده , بخلاف القياس . القول الثّاني: سقوط الكفّارة عن الجاهل والنّاسي .
وبه قال الشّافعي في الجديد , وهو الأصح عندهم .
واستدلوا بأنّ الحجّ عبادة تتعلّق الكفّارة بإفسادها فيختلف حكمها بالعمد والسّهو كالصّوم .
مجاوزة الميقات بدون إحرامٍ:
48 -لا خلاف بين الفقهاء في تحريم مجاوزة الميقات بدون إحرامٍ سواء كان من أهل تلك النّاحية أو من غيرها , كالشّاميّ يمر بميقات المدينة , وسواء تجاوزه عالمًا به أو جاهلًا , علم تحريم ذلك أو جهله , وأنّه يلزمه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له عذر , ولا خلاف بينهم في أنّ من جاوز الميقات بدون إحرامٍ ثمّ عاد إليه قبل أن يحرم فأحرم منه فإنّه لا كفّارة عليه .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوب الكفّارة على من جاوز الميقات بدون إحرامٍ ثمّ أحرم على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوّل: عليه الدّم مطلقًا , أي وإن رجع إلى الميقات .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وابن المبارك , وهو رواية عن الثّوريّ , وبه قال زفر من الحنفيّة .
واستدلوا بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « من ترك نسكًا فعليه دم » , ولأنّه أحرم دون ميقاته فاستقرّ عليه الدّم كما لو لم يرجع .
ولأنّ وجوب الدّم بجنايته على الميقات بمجاوزته إيّاه من غير إحرامٍ , وجنايته لا تنعدم بعوده فلا يسقط الدّم الّذي وجب .
القول الثّاني: وجوب الكفّارة إن أحرم وتلبّس بنسك ثمّ رجع إلى الميقات , فإن لم يتلبّس ورجع إلى الميقات فأحرم منه سقط الدّم عنه في الأصحّ عند الشّافعيّة .
وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة .
واستدلوا على سقوط الدّم إذا لم يتلبّس بنسك بأنّه قطع المسافة من الميقات محرمًا وأدّى المناسك كلّها بعده فكان كما لو أحرم منه .
وبأنّ الواجب عليه أن يكون محرمًا عند الميقات لا أن ينشئ الإحرام عند الميقات فإنّه لو أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات ثمّ مرّ بالميقات محرمًا ولم يلبّ عند الميقات لا يلزمه شيء وكذلك إذا عاد إلى الميقات بعد ما أحرم ولم يلبّ لأنّه تدارك ما هو واجب عليه وهو كونه محرمًا عند الميقات .
وعلّلوا عدم سقوط الدّم بعد تلبسه بنسك بأنّ النسك تؤدّى بإحرام ناقصٍ .
القول الثّالث: عدم وجوب الكفّارة إن رجع قبل أن يتلبّس بأعمال الحجّ ولبّى , فإن تلبّس أو رجع ولم يلبّ كان عليه الدّم , وبه قال أبو حنيفة , واستدلّ بما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه أنّه قال لذلك الرّجل ارجع إلى الميقات وإلا فلا حجّ لك .
ولأنّ المعنى فيه أنّه لمّا انتهى إلى الميقات حلالًا وجب عليه التّلبية عند الميقات والإحرام , فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتّى أحرم وراء الميقات , ثمّ عاد فإن لبّى فقد أتى بجميع ما هو المستحق عليه , فيسقط عنه الدّم , وإن لم يلبّ فلم يأت بجميع ما استحق عليه .
وهذا بخلاف من أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات , لأنّ ميقاته هناك موضع إحرامه , وقد لبّى عنده , فقد خرج الميقات المعهود من أن يكون ميقاتًا للإحرام في حقّه , فلهذا لا يضره ترك التّلبية عنده , بخلاف ما نحن فيه .
وجوب الكفّارة على من غسل رأسه بالخطميّ والسّدر:
49 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه للنّصّ .
كما لا خلاف بينهم في كراهية غسل الرّأس واللّحية بالسّدر والخطميّ ونحوهما .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوب الفدية على من غسل رأسه ولحيته بهما أو بأيّهما على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الفدية .
وإليه ذهب الشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال أبو ثورٍ وابن المنذر والثّوري .
واستدلوا بما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال في المحرم الّذي وقصه بعيره: « اغسلوه بماء وسدرٍ ، وكفّنوه في ثوبين - أو قال: ثوبيه - ولا تحنّطوه ، ولا تخمّروا رأسه ، فإنّ اللّه يبعثه يوم القيامة ملبّيًا » فقد أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بغسله بالسّدر مع إثبات حكم الإحرام في حقّه , والخطمي كالسّدر , فلا فدية في غسل الرّأس أو اللّحية بهما .