وقالوا إنّه ليس بطيب , فلم تجب الفدية باستعماله كالتراب .
القول الثّاني: وجوب الفدية .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , وهو رواية عن الإمام أحمد .
واستدلوا بأنّ الخطميّ من الطّيب , فله رائحة وإن لم تكن زكيّة , وهو يقتل الهوامّ أيضًا فتتكامل الجناية باعتبار المعنيين , فلهذا يلزمه الدّم .
شم العصفر واستعماله:
50 -اختلف الفقهاء في وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به .
وإليه ذهب المالكيّة , والشّافعيّة , والحنابلة , وهو قول جابرٍ وابن عمر وعبد اللّه بن جعفرٍ وعقيل بن أبي طالبٍ , ورواية عن عائشة وأسماءٍ رضي الله عنهم .
واستدلوا بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهى النّساء في إحرامهنّ عن القفّازين والنّقاب وما مسّ الورس والزّعفران من الثّياب , ولتلبس بعد ذاك ما أحبّت من ألوان الثّياب , من معصفرٍ أو خزٍّ أو حليٍّ أو سراويل , أو خفٍّ أو قميصٍ .
وبما روي عن عائشة بنت سعدٍ قالت: « كنّ أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحرمن في المعصفرات » .
فقد أباح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تلبس ما أحبّت من ألوان الثّياب المعصفرة وهي محرِمة , فدلّ ذلك على أنّه لا فدية في لبسه .
ولأنّه قول جماعةٍ من الصّحابة , ولم يعرف لهم مخالف , فكان إجماعًا .
ولأنّه ليس بطيب , فلم يكره ما صبغ به كالسّواد والمصبوغ بالمغرة , ولا يقاس على الورس والزّعفران , لأنّ كلًا منهما طيب بخلاف مسألتنا .
القول الثّاني: وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به .
وإليه ذهب الحنفيّة , وبه قال الثّوري .
واستدلوا بما رواه علي رضي الله تعالى عنه: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسيّ المعصفر » .
وبالقياس على المورّس والمزعفر , لأنّه صبغ طيّب الرّائحة فأشبه ذلك .
وجوب الفدية بلبس السّراويل عند عدم الإزار:
51 -المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والسّراويلات والخفاف والبرانس وتجب به الفدية , لأنّه فعل محظور في الإحرام فتجب به الفدية كالحلق .
واختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لبس السّراويل عند عدم الإزار على قولين: القول الأوّل: عدم وجوب الفدية .
وإليه ذهب الشّافعيّة , والحنابلة , وبه قال عطاء وعكرمة والثّوري , وإسحاق وأبو ثورٍ وغيرهم .
واستدلوا بما رواه ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول: « من لم يجد النّعلين فليلبس الخفّين ، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل » .
وهو صريح في الإباحة , ظاهر في إسقاط الفدية , لأنّه أمر بلبسه ولم يذكر فيه فديةً .
كما يقتضي تجويز اللبس عند فقد الإزار , والأصل في مباشرة الجائزات نفي المؤاخذة , فدلّ هذا على عدم وجوب الفدية باستعمال السّراويل للمحرم عند عدم وجود الإزار .
وقالوا: لبس السّراويل مختص بحالة عدم وجود غيره"الإزار"فلم تجب به فدية , قياسًا على من عدم النّعلين , فإنّ له لبس الخفّين المقطوعين , ولا فدية عليه بالاتّفاق , والفرق بينه وبين ما قاسوا عليه من تحريم لبس القميص إذا لم يجد الرّداء لا يجب عليه لبسه , فلا ضرورة إليه , بخلاف الإزار فإنّه يجب لبسه لستر العورة , فإذا لم يجد عدل إلى السّراويل ولأنّ السّراويل لا يمكنه أن يتّزر به , ويمكنه أن يرتدي القميص"لذا قلنا"لو أمكنه أن يتّزر بالسّراويل لم يجز لبسه .
وقالوا إنّ حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما الّذي ورد فيه النّهي مطلقًا عن لبس هذه الأشياء عام مخصوص بحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما فيحمل العام على الخاصّ . القول الثّاني: وجوب الفدية .
وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة .
واستدلوا بالقياس على لبس القميص , فكما يحرم لبسه إذا لم يجد الرّداء وتجب الفدية به , فكذا السّراويل إذا لم يجد الإزار فإنّه تجب الفدية بلبسه .
لبس الخفّين لعدم النّعلين:
52 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز لبس الخفّين عند عدم النّعلين .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوب الفدية على من لم يقطعهما إذا لبسهما لعدم النّعلين , وفي وجوبها على من لبسهما مقطوعين مع وجود النّعلين .
وجوب الكفّارة لعدم قطع الخفّين:
53 -اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لم يقطع الخفّين عند لبسهما لعدم النّعلين على قولين:
القول الأوّل: وجوب الفدية بعدم قطع الخفّين .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , والشّافعيّة , وهو الرّواية الثّانية عن الإمام أحمد , وبه قال عروة بن الزبير والنّخعي والثّوري وإسحاق وابن المنذر وهو مروي عن عمر بن الخطّاب وعبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما .
واستدلوا بما روي عن ابن عمر أنّ رجلًا سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثّياب ؟ فذكر الحديث إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: « إلا أحد لا يجد النّعلين فليلبس الخفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين » .
وهو نص في وجوب قطع الخفّين , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بقطعهما , والأمر للوجوب , فإذا لم يقطعه فقد خالف واجبًا من واجبات الحجّ , فتجب عليه الفدية , كما أنّه تضمّن زيادةً على حديث ابن عبّاسٍ , والزّيادة من الثّقة مقبولة .
القول الثّاني: عدم وجوب الفدية بعدم قطع الخفّين .
وإليه ذهب الحنابلة , وهو قول عطاءٍ وعكرمة وسعيد بن سالم القدّاح , وهو مروي عن عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما وهو الرّواية المشهورة عن أحمد .