واستدلوا بحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « السّراويل لمن لم يجد الإزار والخفّان لمن لم يجد النّعلين » .
وعن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من لم يجد نعلين فليلبس خفّين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل » .
فقد أباح النّبي صلى الله عليه وسلم لبس الخفّين مطلقًا لمن لم يجد النّعلين , والسّراويل لمن لم يجد الإزار , فدلّ هذا بعمومه على عدم وجوب الفدية على من لم يقطع الخفّين , إذا لبسهما عند عدم النّعلين , ويؤيّد هذا قول عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قطع الخفّين فساد ، يلبسهما كما هما .
وقالوا إنّه ملبوس أبيح لعدم غيره , فأشبه السّراويل .
وإن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر , فإنّ لبس المقطوع محرّم مع القدرة على النّعلين كلبس الصّحيح .
وإنّ في القطع إتلاف المال وإضاعته , وقد نهى النّبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال .
لبس الخفّين مقطوعين مع وجود النّعلين:
54 -اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لبس الخفّين مقطوعين مع وجود النّعلين على قولين:
القول الأوّل: وجوب الفدية بلبس المقطوع مع وجود النّعل .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وهو الأصح عند الشّافعيّة وبه قال أبو ثورٍ .
واستدلوا بالأحاديث السّابقة المرويّة عن ابن عمر وابن عبّاسٍ وجابرٍ رضي الله عنهم , فقد شرط النّبي صلى الله عليه وسلم في إباحة لبس الخفّين عدم النّعلين , فدلّ هذا على أنّه لا يجوز اللبس مع وجودهما .
وقالوا: إنّه مخيط لعضو على قدره , فوجبت على المحرم الفدية بلبسه كالقفّازين , ولأنّه يترفه بلبس الخفّين في دفع الحرّ والبرد والأذى , فتجب به الفدية .
القول الثّاني: عدم وجوب الفدية بلبس المقطوع مع وجود النّعل .
وإليه ذهب الحنفيّة , وبه قال بعض الشّافعيّة .
واستدلوا بأنّه صار كالنّعل بدليل عدم جواز المسح عليه لأنّه بالقطع صار في معنى النّعلين لأنّه لا يستر الكعب .
لبس القفّازين:
55 -لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الفدية على الرّجل بلبس القفّازين .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها على المرأة إذا لبست القفّازين على قولين:
القول الأوّل: وجوب الفدية على المرأة بلبس القفّازين .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وهو الأصح عند الشّافعيّة , وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والنّخعي وإسحاق .
واستدلوا بما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفّازين » .
والحديث نص في تحريم لبس القفّازين على المرأة في حال إحرامها , ويلزم منه وجوب الفدية عليها , لأنّها لبست ما نهيت عن لبسه في الإحرام , فلزمتها الفدية كالنّقاب .
وقالوا: إنّ اليد عضو لا يجب على المرأة ستره في الصّلاة , فلا يجوز لها ستره في الإحرام كالوجه .
وإنّ الرّجل لمّا وجب عليه كشف رأسه تعلّق حكم إحرامه بغيره , فمنع من لبس المخيط في سائر بدنه , كذلك المرأة لمّا لزمها كشف وجهها , ينبغي أن يتعلّق حكم الإحرام بغير ذلك البعض , وهو اليدان .
وإنّ الإحرام تعلّق بيدها تعلقه بوجهها , لأنّ واحدًا منهما ليس بعورة .
القول الثّاني: عدم وجوب الفدية على المرأة إذا لبست القفّازين .
وإليه ذهب الحنفيّة , وهو قول للشّافعيّة , وروي ذلك عن عليٍّ وعائشة وسعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنهم , وبه قال الثّوري .
واستدلوا بما روي أنّه صلى الله عليه وسلم قال: « إحرام المرأة في وجهها » .
وهو صريح في أنّ إحرام المرأة الّذي يجب كشفه إلا لضرورة هو وجهها , وهذا يدل على عدم وجوب الفدية بتغطية ما عدا الوجه لأنّه خصّ الوجه بالحكم , فدلّ على أنّ ما عداه بخلافه .
وبما روي عن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه أنّه كان يلبس بناته القفّازين وهنّ محرمات .
وقالوا: إنّه عضوٌ يجوز ستره بغير المخيط , فجاز ستره به كالرّجلين .
تخمير المحرم وجهه:
56 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ إحرام المرأة في وجهها , وأنّ لها أن تغطّي رأسها وتستر شعرها , كما لا خلاف بينهم في أنّ الرّجل المحرم لا يخمّر رأسه .
وإنّما الخلاف في وجوب الفدية على الرّجل المحرم بتخمير وجهه على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الفدية بتخمير الوجه .
وإليه ذهب الشّافعيّة , والحنابلة , وروي ذلك عن عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوفٍ وزيد بن ثابتٍ وابن الزبير وسعد بن أبي وقّاصٍ وجابرٍ رضي الله عنهم والقاسم وطاوسٍ والثّوريّ وأبي ثورٍ .
واستدلوا بما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرّجل في رأسه » .
وبما روي في حديث ابن عبّاسٍ المذكور آنفًا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في الرّجل الّذي وقصه بعيره: « خمّروا وجهه ولا تخمّروا رأسه » .
وبما روي أنّ عثمان بن عفّان وزيد بن ثابتٍ رضي الله عنهما ومروان بن الحكم كانوا يخمّرون وجوههم وهم حرم .
وبما ورد عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفّان بالعرج وهو محرم في يومٍ صائفٍ قد غطّى وجهه بقطيفة أرجوانٍ .
يقول ابن قدامة: فبهذا عمل عثمان بن عفّان وزيد بن ثابتٍ ومروان بن الحكم , وهو قول غيرهم ممّن سمّينا من الصّحابة , ولم يعرف لهم مخالف , فكان إجماعًا .
القول الثّاني: وجوب الفدية بتخمير الوجه .
وإليه ذهب الحنفيّة , والمالكيّة , وهو الرّواية الثّانية عن الإمام أحمد .