اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارًا ولم يكفّر , وفي تعددها , على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ أو بكلمات .
أ - تعدد الكفّارة على من ظاهر من امرأته مرارًا ولم يكفّر:
61 -اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارًا ولم يكفّر على قولين:
القول الأوّل: عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارًا ولم يكفّر مطلقًا سواء كان في مجلسٍ أو في مجالس , نوى بذلك التّأكيد أو الاستئناف أو أطلق .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وبه قال عطاء وجابر بن زيدٍ وطاوس والشّعبي والزهري وإسحاق وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ , واختاره أبو بكرٍ وابن حامدٍ والقاضي , وروي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه , وهو قول الشّافعيّ في القديم .
واستدلوا بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } . ففيها دلالة على عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارًا , لأنّها عامّة تتناول من ظاهر مرّةً واحدةً , ومن ظاهر مرارًا كثيرةً , فإنّ اللّه تعالى أوجب عليه تحرير رقبةٍ فتبيّن بذلك أنّ التّكفير الواحد كافٍ في الظّهار , سواء كان مرّةً واحدةً أم مرارًا كثيرةً .
كما استدلوا بأنّه قول لم يؤثّر تحريمًا في الزّوجة , لأنّها قد حرمت بالقول الأوّل , فلم تجب به كفّارة الظّهار كاليمين باللّه تعالى .
وأنّه لفظ يتعلّق به كفّارة , فإذا كرّره كفاه واحدة , كاليمين باللّه تعالى .
القول الثّاني: تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارًا ولم يكفّر إذا لم يرد به التّأكيد . وإليه ذهب الحنفيّة , وروي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه , وعمرو بن دينارٍ وقتادة . واستدلّ هؤُلاء بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .
وجه الدّلالة من الآية: أنّها تفيد تعدد الكفّارة بتعدد الظّهار لأنّها تقتضي كون الظّهار علّةً لإيجاب الكفّارة , فإذا وجد الظّهار الثّاني وجدت علّة وجوب الكفّارة , وهذا الظّهار الثّاني: إمّا أن يكون علّةً للكفّارة الأولى , أو لكفّارة ثانيةٍ والأوّل باطل لأنّ الكفّارة الأولى وجبت بالظّهار الأوّل , فتكوين الكائن محال , كما أنّ تأخر العلّة عن الحكم محال , فثبت أنّ الظّهار الثّاني يوجب كفّارةً ثانيةً .
كما استدلوا بقياس الظّهار على الطّلاق , فإذا نوى الاستئناف تعلّق بكلّ مرّةٍ حكم كالطّلاق . وأنّ كلّ ظهارٍ يوجب تحريمًا لا يرتفع إلا بالكفّارة , فيجب في كلّ ظهارٍ كفّارة .
وأنّ تكرار الظّهار في امرأةٍ واحدةٍ كتكرار اليمين , فكما يجب باعتبار كلّ يمينٍ كفّارةً , فكذلك يجب باعتبار كلّ ظهارٍ كفّارةً .
وإنّما اشترطوا أن لا يقصد به التّأكيد , لأنّ الإنسان قد يكرّر اللّفظ , ويقصد به التّغليظ والتّشديد دون إرادة التّجديد .
ولأنّ الظّهار لا يوجب نقصان العدد في الطّلاق , لأنّه ليس بطلاق ولا يوجب البينونة وإن طالت المدّة , كما أنّه لا يوجب زوال الملك وإنّما يحرم الوطء قبل التّكفير مع قيام الملك . وفصّل الشّافعيّة فقالوا: لو كرّر لفظ الظّهار في امرأةٍ واحدةٍ تكريرًا متّصلًا وقصد به تأكيدًا فظهار واحد , وإن قصد به استئنافًا فالأظهر الجديد التّعدد , وإن فصل بين ألفاظ الظّهار المكرّر وقصد بتكرير الظّهار استئنافًا فالأظهر التّعدد وكذا لو قصد تأكيدًا فإنّه لا يقبل في الأصحّ .
ب - تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ:
62 -اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ على قولين:
القول الأوّل: عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ .
وإليه ذهب المالكيّة , والحنابلة , وهو قول عليٍّ وعمر وعروة وطاوسٍ وعطاءٍ وربيعة والأوزاعيّ وإسحاق وأبي ثورٍ , والشّافعيّ في القديم .
وقيّد المالكيّة عدم التّعدد بما إذا لم ينو كفّاراتٍ وإلا تعدّدت .
واستدلّ هذا الفريق بما حكي من عموم قول عمر وعليٍّ رضي الله عنهم حيث قالا: إذا كان تحت الرّجل أربع نسوةٍ فظاهر منهنّ يجزيه كفّارة واحدة , رواه الدّارقطنيّ عن ابن عبّاسٍ عن عمر - رضي اللّه عنهم جميعًا - ورواه الأثرم عن عمر وعليٍّ رضي الله عنهم ولا نعرف لهما في الصّحابة مخالفًا , فكان إجماعًا .
وقالوا: إنّها يمين واحدة , فلم يجب بها أكثر من كفّارةٍ واحدةٍ كاليمين باللّه تعالى .
وإنّ الظّهار كلمة تجب بمخالفتها الكفّارة , فإذا وجدت في جماعةٍ أوجبت كفّارةً واحدةً كاليمين باللّه تعالى .
وإنّ الظّهار هاهنا بكلمة واحدةٍ , والكفّارة الواحدة ترفع حكمها وتمحو إثمها , فلا يبقى لها حكم .
القول الثّاني: تعدد الكفّارة بتعدد النّسوة اللائي ظاهر منهنّ بلفظ واحدٍ .
وإليه ذهب الحنفيّة , والشّافعي في الجديد , وبه قال الحسن , والنّخعي والزهري ويحيى الأنصاري والحكم والثّوريّ .
واستدلوا بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } .
ووجه الدّلالة من هذه الآية أنّها أفادت تعدد الكفّارة بتعدد اللّواتي ظاهر منهنّ , لأنّها تقتضي كون الظّهار علّةً لإيجاب الكفّارة , فإذا وجد الظّهار وجدت علّة وجوب الكفّارة , فإذا ظاهر منهنّ بكلمة واحدةٍ لزمه كفّارات بعدد اللّواتي ظاهر منهنّ .