فهرس الكتاب

الصفحة 1685 من 2053

وبأنّ الكفّارة في الظّهار كفّارة يمينٍ , فلا يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان , والحنث فيها هو العود .

القول الثّاني: وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود وبه قال طاوس ومجاهد والشّعبي والزهري وقتادة .

واستدلوا بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } .

ووجه الدّلالة من الآية: أنّها تفيد وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار , لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } والعود: هو العود بالظّهار في الإسلام , لأنّ معنى الآية: أنّ الظّهار كان طلاق الجاهليّة , فنسخ تحريمه بالكفّارة .

وقالوا: إنّ الظّهار سبب للكفّارة , وقد وجد فتجب الكفّارة وأنّه معنىً يوجب الكفّارة العليا , فوجب أن يوجبها بنفسه لا بمعنى زائدٍ , تشبيهًا بكفّارة القتل والفطر .

وإنّ الكفّارة وجبت لقول المنكر والزور , وهذا يحصل بمجرّد الظّهار .

العود الموجب للكفّارة:

66 -اختلف الفقهاء في بيان معنى العود على أربعة أقوالٍ:

القول الأوّل: العود هو العزم على الوطء .

وإليه ذهب الحنفيّة , وهي الرّواية الصّحيحة المشهورة عند أصحاب مالكٍ وبه قال القاضي وأصحابه .

القول الثّاني: العود هو الوطء .

وإليه ذهب الحنابلة , وحكي ذلك عن الحسن وطاوسٍ والزهريّ وهو رواية عن مالكٍ لكنّها ضعيفة عند أصحابه .

القول الثّالث: العود هو أن يمسكها في النّكاح زمنًا يمكنه فيه مفارقتها , وإليه ذهب الشّافعيّة .

القول الرّابع: العود هو تكرار لفظ الظّهار وإعادته .

وإليه ذهب بكير بن الأشجّ وأبو العالية , وهو قول الفرّاء .

وقد استدلّ أصحاب القول الأوّل: بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } .

ووجه الدّلالة من الآية أنّها نص في وجوب الكفّارة عند العزم على الوطء , كأنّه تعالى قال: إذا عزمت على الوطء فكفّر قبله , كما قال سبحانه وتعالى: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ } .

وقالوا: إنّه قصد بالظّهار تحريمها , فالعزم على وطئها عود فيما قصد .

وإنّ الظّهار تحريم , فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التّحريم , فكان عائدًا .

وإنّ المفهوم من الظّهار هو أنّ وجوب الكفّارة فيه , إنّما يكون بإرادته العودة إلى ما حرّم على نفسه بالظّهار , وهو الوطء , وإذا كان ذلك كذلك , وجب أن تكون العودة إمّا الوطء نفسه , أو العزم عليه وإرادته .

واستدلّ أصحاب القول الثّاني: بأنّ العود فعل ضد قوله , ومنه العائد في هبته هو الرّاجع في الموهوب , والعائد في عدته: التّارك للوفاء بها , والعائد فيما نهي عنه: فاعل المنهيّ عنه , قال تعالى: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } فالمظاهر محرّم للوطء على نفسه , ومانع لها منه , فالعود فعله , أي فعل الوطء الّذي حرّمه على نفسه بظهاره .

وبأنّ الظّهار يمين مكفّرة , فلا تجب الكفّارة بالحنث فيها , وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان وإنّما تجب بالوطء , لأنّها يمين تقتضي ترك الوطء , فلا تجب كفّارتها إلا به كالإيلاء .

واستدلّ أصحاب القول الثّالث: بأنّه لمّا ظاهر فقد قصد التّحريم , فإن وصل ذلك بالطّلاق , فقد تمّم ما شرع فيه من التّحريم , ولا كفّارة عليه , فإذا سكت عن الطّلاق , فذلك يدل على أنّه ندم على ما ابتدأ به من التّحريم , فحينئذٍ تجب عليه الكفّارة .

واستدلّ أصحاب القول الرّابع: بقوله تعالى: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } .

وهذه الآية تدل على أنّ العود هو إعادة ما فعلوه , وهذا لا يكون إلا بالتّكرار , لأنّ العود في الشّيء إعادته .

وقالوا إنّ الّذي يعقل من لغة العرب في العود إلى الشّيء , إنّما هو فعل مثله مرّةً ثانيةً , كما قال تعالى: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } , كما أنّ العود في القول عبارة عن تكراره , قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } فكان معنى قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } أي يرجعون إلى القول الأوّل فيكرّرونه .

وقد اتّفق أهل التّأويل على أنّ عودهم لما نهوا عنه , هو إتيانهم مرّةً ثانيةً بمثل ما نهوا عنه , وما فعلوه أوّل مرّةٍ .

شروط الكفّارة:

ذكر الفقهاء للكفّارة شروطًا عامّةً وأخرى خاصّةً تتعلّق بكلّ سببٍ من أسبابها:

أوّلًا: الشروط العامّة في الكفّارات:

يشترط في الكفّارات عمومًا شروط , منها:

الشّرط الأوّل: النّيّة:

67 -اتّفق الفقهاء على اشتراط النّيّة في الكفّارة لصحّتها ولهم في ذلك تفصيل:

فقال الحنفيّة: من وجبت عليه كفّارتا ظهارٍ فأعتق رقبتين لا ينوي عن إحداهما بعينها جاز عنهما , وكذا إذا صام أربعة أشهرٍ أو أطعم مائةً وعشرين مسكينًا جاز , لأنّ الجنس متّحد فلا حاجة إلى نيّةٍ معيّنةٍ , وإن أعتق عنهما رقبةً واحدةً أو صام شهرين كان له أن يجعل ذلك عن أيّهما شاء , وإن أعتق عن ظهارٍ وقتلٍ لم يجز عن واحدٍ منهما , لأنّ نيّة التّعيين في الجنس المتّحد غير مفيدٍ فتلغو وفي الجنس المختلف مفيد , وقال زفر لا يجزيه عن أحدهما في الفصلين .

وقال المالكيّة: لو أعتق رقبتين عن كفّارتي ظهارٍ أو قتلٍ أو فطرٍ في رمضان وأشرك بينهما في كلّ واحدةٍ منهما لم يجزه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت