وهو بمنزلة من أعتق رقبةً واحدةً عن كفّارتين , وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهرٍ حتّى يصوم عن كلّ واحدةٍ منهما شهرين , وقد قيل: إنّ ذلك يجزيه .
ولو ظاهر من امرأتين له فأعتق رقبةً عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدةٍ منهما حتّى يكفّر كفّارةً أخرى , ولو عيّن الكفّارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفّر الكفّارة عن الأخرى , ولو ظاهر من أربع نسوةٍ فأعتق عنهنّ ثلاث رقابٍ , وصام شهرين , لم يجزه العتق ولا الصّيام , لأنّه إنّما صام عن كلّ واحدةٍ خمسة عشر يومًا , فإن كفّر عنهنّ بالإطعام جاز أن يطعم عنهنّ مائتي مسكينٍ , وإن لم يقدر فرّق بخلاف العتق والصّيام , لأنّ صيام الشّهرين لا يفرّق والإطعام يفرّق .
وقال الشّافعيّة: يشترط لصحّة الكفّارة نيّة الكفّارة بأن ينوي العتق أو الصّوم أو الإطعام عن الكفّارة لأنّها حق مالي يجب تطهيرًا كالزّكاة , والأعمال بالنّيّات ولا يشترط تعيينها بأن تقيّد بظهار أو غيره , كما لا يشترط في زكاة المال تعيين المال المزكّى بجامع أنّ كلًا منهما عبادة ماليّة بل تكفي نيّة أصلها , فلو أعتق رقبتين بنيّة الكفّارة وكان عليه كفّارة قتلٍ وظهارٍ أجزأه عنهما , وإن أعتق واحدةً وقعت عن إحداهما , وإنّما لم يشترط تعيينها في النّيّة كالصّلاة لأنّها في معظم خصالها نازعة إلى الغرامات فاكتفي فيها بأصل النّيّة .
وقال الحنابلة: لا يجزئ إطعام وعتق وصوم إلا بنيّة , بأن ينويه عن الكفّارة , لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّما الأعمال بالنّيّات » , ولأنّه حق واجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى النّيّة كالزّكاة فإن كانت عليه كفّارة واحدة فنوى عن كفّارتين أجزأه , ولم يلزمه تعيين سببها سواء علمه أو جهله , لأنّ النّيّة تعيّنت لها , ولأنّه نوى عن كفّارته ولا مزاحم لها فوجب تعليق النّيّة بها , وإن كان عليه كفّارات من جنسٍ واحدٍ لم يجب تعيين سببها فلو كان مظاهرًا من أربعٍ فأعتق عبدًا عن ظهاره أجزأه عن إحداهنّ وحلّت له واحدة من نسائه غير معيّنةٍ , لأنّه واجب من جنسٍ واحدٍ فأجزأته نيّة مطلقة , كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان فتخرج بقرعة كما تقدّم في نظائره , فإن كان الظّهار من ثلاث نسوةٍ فأعتق عن ظهار إحداهنّ وصام عن ظهار أخرى لعدم من يعتقه ومرض فأطعم ظهار أخرى أجزأه لما تقدّم وحلّ له الجميع من غير قرعةٍ ولا تعيينٍ , لأنّ التّكفير حصل عن الثّلاث .
وإن كانت الكفّارات من أجناسٍ كظهار وقتلٍ وجماعٍ في نهار رمضان ويمينٍ لم يجب تعيين السّبب أيضًا , لأنّها عبادة واجبة فلم تفتقر صحّة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كانت من جنسٍ .
وإن كانت عليه كفّارتان من ظهارٍ بأن قال لكلّ من زوجتيه: أنت عليّ كظهر أمّي أو كان عليه كفّارتان من ظهارٍ وقتلٍ فقال: أعتقت هذا عن هذه الزّوجة أو أعتقت هذا عن هذه الزّوجة الأخرى , أو قال: أعتقت هذا عن كفّارة الظّهار وهذا عن كفّارة القتل أجزأه , أو قال أعتقت هذا عن إحدى الكفّارتين وأعتقت هذا عن الكفّارة الأخرى من غير تعيين أجزأه لما تقدّم , أو أعتقهما أي العبدين عن الكفّارتين معًا أو قال أعتقت كلّ واحدٍ منهما أي من المعنيين عنهما أي الكفّارتين جميعًا أجزأه ذلك لما تقدّم .
الشّرط الثّاني: القدرة:
68 -يشترط قدرة المكفّر على التّكفير , لأنّ إيجاب الفعل على غير القادر ممتنع .
فإذا كانت الكفّارة مرتّبةً فلا يجزئه الانتقال من خصلةٍ إلى ما بعدها حتّى يعجز عن الأولى , فمن ملك رقبةً مثلًا لا يجزئه الانتقال عن العتق إلى الصّيام , ومن استطاع الصّيام لا يمكنه الانتقال إلى الإطعام وذلك في الجملة .
وقد اختلف الفقهاء في الوقت الّذي يعتبر المكفّر فيه قادرًا أو عاجزًا عن التّكفير , فذهب الحنفيّة والمالكيّة , والشّافعيّة في أظهر الأقوال إلى أنّ الوقت المعتبر للقدرة واليسار هو وقت الأداء , قالوا: لأنّ الكفّارة عبادة لها بدل من غير جنسها فاعتبر حال أدائها .
وذهب الحنابلة والشّافعيّة في قولٍ إلى أنّ الوقت المعتبر هو وقت الوجوب , لأنّ الكفّارة تجب على وجه الطهرة , فكان الاعتبار بحالة الوجوب كالحدّ .
ثانيًا: شروط الكفّارات الخاصّة:
تختلف هذه الشروط باختلاف أسبابها ووجوب الكفّارة:
شروط وجوب كفّارة اليمين:
69 -اتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ والعقل والانعقاد شروط لوجوب الكفّارة باليمين فلا كفّارة على صبيٍّ أو مجنونٍ حنث في يمينه , لأنّ القلم - أي التّكليف - مرفوع عنهما لقوله صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن المبتلى حتّى يبرأ ، وعن الصّبيّ حتّى يكبر » .
كما لا كفّارة على من لغا في يمينه لقوله تعالى: { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } والمراد بالعقد القصد .
واختلفوا بعد ذلك في الإسلام , والاختيار , والعمد , هل تعتبر شروطًا لوجوب الكفّارة أم لا ؟
وتفصيل ذلك في: ( أيمان ف 51 - 54 ) .
شروط وجوب كفّارة الظّهار:
70 -اتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ والعقل شرطان في وجوب الكفّارة على المظاهر , لأنّ عبّارة الصّبيّ والمجنون لغوٌ فلا تكون موجبةً لها .
واختلفوا في وجوبها على غير المسلم وعلى المكره وغير العامد .
وتفصيل ذلك في: ( ظهار ف 16 , 21 ) .
شروط وجوب كفّارة القتل الخطأ:
من الشروط المختلف فيها بين الفقهاء ما يلي:
أ - الإسلام: