القول الثّاني: إنّ الكفّار غير مخاطبين بالفروع وهو قول الفقهاء البخاريّين من الحنفيّة , وبهذا قال عبد الجبّار من المعتزلة والشّيخ أبو حامدٍ الإسفراييني من الشّافعيّة , وقال الإبياري: إنّه ظاهر مذهب مالكٍ , وقال الزّركشي: اختاره ابن خويزمنداد المالكي .
قال السّرخسي: لا خلاف أنّهم مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة , وأمّا في العبادات فبالنّسبة إلى الآخرة كذلك .
أمّا في حقّ الأداء في الدنيا فهو موضع الخلاف .
واستدلّ القائلون بعدم مخاطبتهم بالفروع بأنّ العبادة لا تتصوّر مع الكفر , فكيف يؤمر بها فلا معنى لوجوب الزّكاة وقضاء الصّلاة عليه مع استحالة فعله في الكفر ومع انتفاء وجوبه لو أسلم , فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله ؟ .
القول الثّالث: إنّ الكفّار مخاطبون بالنّواهي دون الأوامر , لأنّ الانتهاء ممكن في حالة الكفر , ولا يشترط فيه التّقرب فجاز التّكليف بها دون الأوامر , فإنّ شرط الأوامر العزيمة , وفعل التّقريب مع الجهل بالمقرّب إليه محال فامتنع التّكليف بها .
وقد حكى النّووي في التّحقيق أوجهًا , وقال الزّركشي: ذهب بعض أصحابنا إلى أنّه لا خلاف في تكليف الكفّار بالنّواهي وإنّما الخلاف في تكليفهم بالأوامر .
ونقل ذلك القول صاحب اللباب من الحنفيّة عن أبي حنيفة وعامّة أصحابه .
وقيل: إنّهم مخاطبون بالأوامر فقط .
وقيل: إنّ المرتدّ مكلّف دون الكافر الأصليّ .
وقيل: إنّهم مكلّفون بما عدا الجهاد .
وقيل: بالتّوقف .
واجب المسلمين تجاه الكفّار:
12 -يجب على المسلمين دعوة الكفّار إلى الإسلام لقول اللّه تبارك وتعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } , ولا يقاتلون قبل الدّعوة إلى الإسلام لأنّ قتال الكفّار لم يفرض لعين القتال بل للدّعوة إلى الإسلام .
والدّعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال ودعوة بالبيان وهو اللّسان , وذلك بالتّبليغ , والدّعوة بالبيان أهون من الدّعوة بالقتال لأنّ في القتال مخاطرة الروح والنّفس والمال , وليس في دعوة التّبليغ شيء من ذلك , فإذا احتمل حصول المقصود بأهون الدّعوتين لزم الافتتاح بها , وقد روي: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل الكفرة حتّى يدعوهم إلى الإسلام » .
ثمّ إذا دعاهم المسلمون إلى الإسلام فإن أسلموا كفوا عنهم القتال لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل النّاس حتي يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام وحسابهم على اللّه » , فإن أبوا الإجابة إلى الإسلام دعوهم إلى الذّمّة إن كانوا ممّن تقبل منهم الجزية , فإن أجابوا كفوا عنهم لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم » وإن أبوا استعانوا باللّه سبحانه وتعالى على قتالهم ووثقوا بنصر اللّه سبحانه وتعالى لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم .
وينظر تفصيل ذلك في: ( جزية ف 25 - 30 , وجهاد ف 24 ) .
ما يلزم الكافر إذا أسلم:
13 -قال القرافي: أحوال الكافر مختلفة إذا أسلم , فيلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون الّتي اقترضها ونحو ذلك .
ولا يلزمه من حقوق الآدميّين القصاص ولا الغصب ولا النّهب إن كان حربيًا , وأمّا الذّمّي فيلزمه جميع المظالم وردها لأنّه عقد الذّمّة وهو راضٍ بمقتضى عقد الذّمّة , وأمّا الحربي فلم يرض بشيء , فلذلك أسقطنا عنه الغصوب والنهوب والغارات ونحوها .
وأمّا حقوق اللّه تعالى فلا يلزمه - ولو كان ذمّيًا - ممّا تقدّم في كفره لا ظهار ولا نذر ولا يمين من الأيمان ولا قضاء الصّلوات ولا الزّكوات ولا شيء فرّط فيه من حقوق اللّه تعالى لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الإسلام يهدم ما كان قبله » .
وحقوق العباد قسمان: قسم منها رضي به حال كفره واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه , فهذا لا يسقط بالإسلام , لأنّ إلزامه إيّاه ليس منفّرًا له عن الإسلام لرضاه .
أمّا ما لم يرض بدفعه لمستحقّه كالقتل والغصب ونحوه فإنّ هذه الأمور إنّما دخل عليها معتمدًا على أنّه لا يوفّيها أهلها , فهذا كله يسقط , لأنّ في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرًا له عن الإسلام فقدّمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق .
وأمّا حقوق اللّه تعالى فتسقط مطلقًا رضي بها أم لم يرض , والفرق بينها وبين حقوق الآدميّين من وجهين:
أحدهما: أنّ الإسلام حقّ للّه تعالى , والعبادات ونحوها حقّ للّه تعالى كذلك , ولمّا كان الحقّان لجهة واحدةٍ ناسب أن يقدّم أحدهما على الآخر , ويسقط أحدهما الآخر لحصول الحقّ الثّاني لجهة الحقّ السّاقط .
وأمّا حق الآدميّين فلجهة الآدميّين والإسلام ليس حقًّا لهم , بل لجهة اللّه تعالى فناسب أن لا يسقط حقهم بتحصيل حقّ غيرهم .
وثانيهما: أنّ اللّه تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة , والعبد بخيل ضعيف فناسب ذلك التّمسك بحقّه , فسقطت حقوق اللّه تعالى مطلقًا وإن رضي بها كالنذور والأيمان , أو لم يرض بها كالصّلوات والصّيام , ولا يسقط من حقوق العباد ما تقدّم الرّضا به .
معاملة الأبوين الكافرين:
14 -أمر الإسلام ببرّ الوالدين والإحسان إليهما سواءً أكان الوالدان مسلمين أم كافرين . والتّفصيل في مصطلح: ( بر الوالدين ف 3 ) .
نجاسة الكافر وطهارته: