15 -ذهب الفقهاء إلى أنّ الكافر الحيّ طاهر لأنّه آدميّ , والآدمي طاهر سواء أكان مسلمًا أم كافرًا , لقول اللّه سبحانه وتعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } , وليس المراد من قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس } , نجاسة الأبدان وإنّما المراد نجاسة ما يعتقدونه , وقد ربط النّبي صلى الله عليه وسلم الأسير في المسجد .
مس الكافر المصحف:
16 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز للكافر مس المصحف لأنّ في ذلك إهانةً للمصحف .
وقال محمّد بن الحسن: لا بأس أن يمسّ الكافر المصحف إذا اغتسل , لأنّ المانع هو الحدث وقد زال بالغسل , وإنّما بقي نجاسة اعتقاده وذلك في قلبه لا في يده .
وقال المالكيّة: يمنع الكافر من أن يحمل حرزًا من قرآنٍ ولو بساتر لأنّه يؤدّي إلى امتهانه .
دخول الكافر المسجد:
17 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز للكافر دخول المسجد الحرام لقول اللّه تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } والمسجد الحرام مراد به الحرم لقول اللّه تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى } , وإنّما أسري به من بيت أمّ هانئٍ من خارج المسجد .
أمّا المساجد الأخرى غير المسجد الحرام فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يحل لهم دخولها بغير إذن المسلمين لما روى عياض الأشعري أنّ أبا موسى رضي الله عنه وفد إلى عمر رضي الله عنه ومعه نصرانيّ فأعجب عمر خطه فقال قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابًا فقال إنّه لا يدخل المسجد فقال لم ؟ أجنب هو ؟ قال لا هو نصرانيّ قال فانتهره عمر .
فإن دخل من غير إذنٍ عزّر لما روت أم غرابٍ قالت رأيت عليًا كرّم اللّه وجهه على المنبر وبصر بمجوسيّ فنزل فضربه وأخرجه من باب كندة .
وإن وفد قوم من الكفّار ولم يكن للإمام موضع ينزلهم فيه جاز أن ينزلهم في المسجد , لما روي: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنزل سبي بني قريظة والنّضير في مسجد المدينة » « وربط ثمامة بن أثالٍ في المسجد » .
وعند المالكيّة يمنع الكافر من دخول المسجد وإن أذن له مسلم في الدخول , وهذا ما لم تدع ضرورة لدخوله بأن لم يوجد نجّار أو بنّاء وغيره والمسجد محتاج إلى ذلك , أو وجد مسلم لكن كان الكافر أتقن للصّنعة , فلو وجد مسلم مماثل له في إتقان الصّنعة لكن كانت أجرة المسلم أزيد من أجرة الكافر فإن كانت الزّيادة يسيرةً لم يكن هذا من الضّرورة وإلا كان منها على الظّاهر .
وإذا دخل الكافر المسجد للعمل فيندب أن يدخل من جهة عمله .
وما ذهب إليه المالكيّة هو رواية عند الحنابلة , قال ابن قدامة: وفيه رواية أخرى: ليس لهم دخوله بحال .
وعند الحنفيّة يجوز للكافر دخول المسجد , سواء أكان المسجد الحرام أم غيره من المساجد , لما روي: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيفٍ في مسجده وهم كفّار » , ولأنّ الخبث في اعتقادهم فلا يؤدّي إلى تلويث المسجد , وقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } محمول على الحضور استيلاءً واستعلاءً , أو طائفين عراةً كما كانت عادتهم في الجاهليّة فليس الممنوع نفس الدخول .
تلقين الكافر المحتضر:
18 -قال الإسنوي: لو كان - أي المحتضر - كافرًا لقّن الشّهادتين وأمر بهما , لما روى أنس رضي الله عنه قال: « كان غلام يهودي يخدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النّبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النّبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد للّه الّذي أنقذه من النّار » .
وتلقين الكافر المحتضر الشّهادة يكون وجوبًا إن رجي إسلامه , وإن لم يرج إسلامه فيندب ذلك .
قال الجمل: وظاهر هذا أنّه يلقّن إن رجي إسلامه وإن بلغ الغرغرة ولا بعد فيه , لاحتمال أن يكون عقله حاضرًا وإن ظهر لنا خلافه وإن كنّا لا نرتّب عليه أحكام المسلمين حينئذٍ .
ولاية الكافر على المسلم وولاية المسلم على الكافر:
19 -لا يعتبر الكافر من أهل الولاية بالنّسبة للمسلم لقول اللّه تعالى: { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } , وليس للمسلم ولاية بالنّسبة للكافر إلا بالسّبب العامّ كولاية السلطان أو نائبه وهذا في الجملة .
ومن أمثلة ذلك:
أ - لا يجوز للكافر أنّ يزوّج ابنته المسلمة , ولا للمسلم أنّ يزوّج ابنته الكافرة لأنّ الموالاة منقطعة بينهما لقوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } , وقوله تعالى: { وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } .
ب - القضاء من الولايات العامّة , ويشترط في القاضي أن يكون مسلمًا , ولا يجوز تولية الكافر القضاء لقوله تعالى: { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } , وسواء أكانت تولية الكافر القضاء بين المسلمين , أم بين أهل دينه .
وأجاز أبو حنيفة أن يتولّى الكافر القضاء بين أهل دينه .
وينظر تفصيل ذلك في: ( قضاء ف 22 ) .
أنكحة الكفّار: