قال ابن حجرٍ: الّذي يظهر أنّ ابن عمر كان لا يخص هذا بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة الّتي تتشوّه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللّحية أو عرضه .
قال الحنفيّة: إنّ أخذ ما زاد عن القبضة سنّة , جاء في الفتاوى الهنديّة: القص سنّة فيها , وهو أن يقبض الرّجل على لحيته , فإن زاد منها عن قبضته شيء قطعه , كذا ذكره محمّد رحمه الله عن أبي حنيفة , قال: وبه نأخذ .
وفي قولٍ للحنفيّة: يجب قطع ما زاد عن القبضة ومقتضاه كما نقله الحصكفيّ , الإثم بتركه .
وقال الحنابلة: لا يكره أخذ ما زاد عن القبضة منها , ونصّ عليه أحمد , ونقلوا عنه أنّه أخذ من عارضيه .
وذهب آخرون من الفقهاء إلى أنّه لا يأخذ من اللّحية شيئًا إلا إذا تشوّهت بإفراط طولها أو عرضها , نقله الطّبريّ عن الحسن وعطاءٍ , واختاره ابن حجرٍ وحمل عليه فعل ابن عمر , وقال: إنّ الرّجل لو ترك لحيته لا يتعرّض لها حتّى أفحش طولها أو عرضها لعرّض نفسه لمن يسخر به , وقال عياض: الأخذ من طول اللّحية وعرضها إذا عظمت حسن , بل تكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في تقصيرها , ومن الحجّة لهذا القول ما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها » , أمّا الأخذ من اللّحية وهي دون القبضة لغير تشوهٍ ففي حاشية ابن عابدين: لم يبحه أحد .
حلق اللّحية:
10 -ذهب جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة , وهو قول عند الشّافعيّة , إلى أنّه يحرم حلق اللّحية لأنّه مناقض للأمر النّبويّ بإعفائها وتوفيرها , وتقدّم قول ابن عابدين في الأخذ منها وهي دون القبضة: لم يبحه أحد , فالحلق أشد من ذلك .
وفي حاشية الدسوقيّ المالكيّ: يحرم على الرّجل حلق لحيته , ويؤدّب فاعل ذلك , وقال أبو شامة من الشّافعيّة: قد حدث قوم يحلقون لحاهم , وهو أشد ممّا نقل عن المجوس أنّهم كانوا يقصونها .
ثمّ قد جاء في الفتاوى الهنديّة: ولا يحلق شعر حلقه , ونصّ الحنابلة كما في شرح المنتهى على أنّه لا يكره أخذ الرّجل ما تحت حلقه من الشّعر أي لأنّه ليس من اللّحية .
والأصح عند الشّافعيّة: أنّ حلق اللّحية مكروه .
قصّ السّبالين:
11 -تقدّم أنّ السّبالين قد اختلف فيهما هل هما من الشّاربين أم من اللّحية , وعليه ينبني الخلاف فيهما , قال ابن عابدين: أمّا طرفا الشّارب وهما السّبالان , فقيل: هما من الشّارب وقيل: من اللّحية , وعليه فقد قيل: لا بأس بتركهما , وقيل: يكره لما فيه من التّشبه بالأعاجم وأهل الكتاب , قال: وهذا أولى بالصّواب .
وقال ابن حجرٍ: اختلف في السّبالين فقيل: هما من الشّارب ويشرع قصهما معه , وقيل: هما من جملة شعر اللّحية , وأمّا القص فهو الّذي في أكثر الأحاديث .
وذهب الحنابلة إلى أنّ السّبالين من الشّارب فيشرع قصهما معه .
قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المجوس فقال: « إنّهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم » قال: فكان ابن عمر يستعرض سبلته فجزّها .
العناية باللّحية:
12 -العناية باللّحية بأخذ ما طال منها وتشوّه أمر مشروع على ما تقدّم تفصيله .
ويسن إكرامها لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من كان له شعر فليكرمه » , قال الغزالي والنّووي: ويكره للرّجل ترك لحيته شعثةً إيهامًا للزهد .
لما روي عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال: « أتانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فرأى رجلًا شعثًا قد تفرّق شعره ، فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره » .
ويسن ترجيلها , قال ابن بطّالٍ: التّرجيل تسريح شعر الرّأس واللّحية ودهنه , وهو من النّظافة وقد ندب الشّرع إليه , وقال اللّه تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } , وفي حديث عائشة رضي الله عنها: « كان لا يفارق النّبيّ صلى الله عليه وسلم سواكه ومشطه ، وكان ينظر في المرآة إذا سرّح لحيته » .
ويسن تطييبها لقول عائشة رضي الله عنها: « كنت أطيّب النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأطيب ما يجد ، حتّى أجد وبيص الطّيب في رأسه ولحيته » .
وفي الفتاوى الهنديّة: لا بأس بغالية الرّأس واللّحية , والغالية: طيب يجمع طيوبًا .
وانظر: ( ترجيل ف 2 وما بعدها , شعر ف 16 ) .
صبغ اللّحية:
13 -يسن صبغ اللّحية بغير السّواد إذا ظهر فيها الشّيب , أمّا بالسّواد فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يكره صبغها بالسّواد في غير الحرب , وقال الشّافعيّة: تحرم لغير المجاهدين .
وانظر مصطلح: ( اختضاب ف 9 - 11 ) .
أمور تكره في اللّحية:
14 -قال ابن حجرٍ: ذكر النّووي ممّا يكره: تبييض اللّحية استعجالًا للشّيخوخة لقصد التّعاظم على الأقران , ونتفها إبقاءً للمرودة وكذا تحذيفها ونتف الشّيب , ورجّح النّووي تحريمه لثبوت الزّجر عنه , وتصفيفها طاقةً فوق طاقةٍ تصنعًا ومخيلةً , وعقدها لحديث رويفع بن ثابتٍ رضي الله عنه مرفوعًا: « من عقد لحيته فإنّ محمّدًا منه بريء » , قال الخطّابيّ: قيل: المراد عقدها في الحرب , وهو من زيّ الأعاجم , وقيل: المراد معالجة الشّعر حتّى ينعقد وذلك من فعل أهل التّأنيث .
غسل اللّحية في الوضوء: